رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تحية لغزة

رغم الأبعاد العديدة المطلوب تحليلها لفهم ما يجرى فى غزة واستشراف مستقبله فإن التحية الواجبة لغزة وأهلها لها السبق على كل ما عداها، وهذه التحية هى أقل ما يجب لهذه المدينة العريقة التى لعبت أدوارًا بارزة عبر التاريخ قبل أن تولد فكرة الدولة الصهيونية بآلاف السنين، والتى تنخرط الآن فى صراع ضار مع الدولة التى اقتلعت معظم الشعب الفلسطينى من أرضه، لكن من أُجبر على مغادرة أرضه مصر على العودة إليها، ومن بقى فيها لا يهتز إيمانه لحظة بضرورة التمسك بها، وهذا الصراع الضارى الذى يجرى حاليًا فى طريقه لأن يصبح واحدًا من أطول حلقات المواجهة بين العرب وإسرائيل، فحتى الآن تحتل الحرب العربية-الإسرائيلية الأولى (مايو ١٩٤٨-مارس ١٩٤٩) المرتبة الأولى من حيث الأمد الزمنى يليها العدوان الإسرائيلى على لبنان ٢٠٠٦ الذى تجاوز الشهر بيومين (١٢يوليو -١٤ أغسطس ٢٠٠6)، وعندما تُنشر هذه المقالة يكون الباقى أسبوعا لكى تكون المواجهة الحالية فى غزة هى الأطول منذ حرب النشأة فى ١٩٤٨، وإذا استمر القتال بالوتيرة الحالية فإن هذا سيتحقق بالتأكيد، ومعروف أن إسرائيل تفضل المواجهات العسكرية القصيرة نظرًا لأن طول الأمد لا يعمل فى صالحها بالنظر لطبيعة جيشها, الذى تلعب فيه القوات الاحتياطية دورًا أساسيًا فى المواجهات الصعبة، ولهذه القوات بطبيعة الحال دورها فى الاقتصاد والمجتمع على النحو الذى يلحق بإسرائيل أضرارًا جسيمة وهو ما تحدثنا عنه التقارير الآن، مع العلم أن المواجهة الراهنة تتم بين إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة الأمريكية بالمال والسلاح وحاملات الطائرات والقوات الخاصة ومعها دول أوروبية كبرى, وحماس مدعومة بباقى فصائل المقاومة فى غزة، وهو ما يوضح لنا عظمة الإنجاز الذى حققته المقاومة بالفعل بإمكانات بالغة الضآلة، لكنها كانت كافية لكى تضع القانون التاريخى للتحرر الوطنى موضع التنفيذ ألا وهو أن النصر فى النهاية لحركات التحرر مهما طال الأمد وعظمت التضحيات.

وتحية للشعب فى غزة الصامد صمودًا أسطوريًا والذى أنحنى له إعجابًا واحترامًا وتقديرًا لتحمله هذا القصف الهمجى المجنون بدعوى عقاب حماس، وهم الذين يقولون إنها لا تمثل الشعب الفلسطينى، لكنهم غير قادرين على إدراك معنى أن قضية التحرر الوطنى تجمع الكل حول رايته، فشعب غزة ليس كله مؤيدًا لحماس بطبيعة الحال، ولقطاعات منه تحفظات أساسية على أفكارها وأسلوبها فى الحكم، لكن التحفظات كافة تسقط عندما نكون إزاء قضية التحرر الوطنى والتخلص من الاحتلال، فهل سمعنا خلال آلاف تقارير الفضائيات العربية والدولية أحدًا من أهل غزة الذين يترصد بهم الموت فى كل لحظة يرفع صوته بانتقاد واحد لما فعلته حماس؟ أم أن الكل يرفع شعارات المقاومة والتحرر ويُبدى كامل الصمود فى وجه الوحشية الإسرائيلية؟ وهل رأيتم ردود فعل أهل غزة لقصف منازلهم وتدميرها الذى لابد أن يكون قد حطم قلوبهم، لكنهم مع ذلك صامدون متمسكون بأرضهم؟ بل هل رأيتم الحزن النبيل على فقد الأهل والأولاد والأطفال الرضع دون أن يؤدى هذا إلى انهيار معنوياتهم؟ بل هل رأيتم مسيحيى غزة وهم يسارعون بتعميد جماعى لأطفالهم خشية وفاتهم فى أى لحظة؟ لا يتخيل الإنسان إلى أى حد وصلت قدرة أهل غزة على الصمود وهم يلملمون أجساد أطفالهم فى الأكياس بعد أن تمزقت وتناثرت أشلاء، ولا يمكن تخيل الجهود التى تفوق الخيال لرجال الإسعاف ومعهم جميع المواطنين وهم يسارعون لإخراج المصابين من تحت الأنقاض ويسارعون بهم إلى مستشفيات لم يعد بها ما يكفى لرعاية طبية معقولة للمصابين ابتداء من الأَسِرة إلى المواد الطبية، وهى المرة الأولى فى حياتى التى أرى فيها تعاملًا مع المصابين بمجرد وصولهم وهم مطروحون أرضًا وبأبسط الإمكانيات، كذلك لا أتخيل الجهود التى تفوق طاقة البشر لأطقم الخدمات الطبية من أطباء وممرضين وهم يعملون دون انقطاع منذ بدأت العمليات، ورغم ما يبدو على وجوههم من إرهاق فلا شكوى واحدة إلا من نقص الإمكانيات، وقلبى معهم وقد وصل الأمر بهم مع قلة الإمكانيات إلى إعطاء الأولوية فى العلاج لمن تبدو احتمالات نجاته أفضل من غيره، ولم أكن أحلم فى أشد كوابيسى رعبًا بأن يصل الأمر إلى توليد النساء بعد استشهادهن، ووضع المولودين فى حضانة مهددة بالتوقف فى أى لحظة والحكم عليهم بالموت نظرًا لنفاد الوقود الذى يشغل مولدات الكهرباء التى قطعتها إسرائيل عن القطاع، أما رجال الدفاع المدنى فهم نسيج وحدهم، فلم أر من قبل عمليات إنقاذ للذين دُمرت منازلهم فى القصف الوحشى تتم بالأيدى المجردة، فلا توجد أى معدات، وإنما يُزال الركام بالأيدى وبربطه بالحبال إن توافرت لجره بعيدًا حتى يتسنى لرجال الإنقاذ ومعهم الجميع أن يحفروا بأيديهم ليخرجوا طفلًا أو امرأة أو شيخًا طمرتهم الأنقاض، أما سلوك الجميع فى مواجهة شح كل شىء فحدث عنه ولا حرج، وقد شاهدت بانبهار رجالًا وشبابًا وأطفالًا وهم يقفون فى هدوء انتظارًا لدورهم فى ملء أوانى المياه التى يحملونها دون تسابق أو أدنى درجة من التشاحن، والأمر نفسه ينطبق على توزيع المساعدات الشحيحة، وعلى التضامن بين الجميع فى مواجهة هذه المحنة الأليمة.

لكل هذا كسبت غزة احترام جميع الأسوياء الذين يؤمنون حقًا بحقوق الإنسان فى هذا العالم، وبدأت موجات الرفض والاستنكار تجتاح الدول التى تؤيد إسرائيل فى جرائمها البشعة، وسوف يكون لهذا بإذن الله تأثيره على مجريات الصراع لصالح القضية الفلسطينية، غير أن غزة تستحق ما هو أكثر من الاحترام والتقدير بكثير، وعلينا جميعًا التفكير فى الآليات التى من شأنها دعم الصمود الأسطورى لمقاومة غزة وشعبها، وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: