رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

العولمة.. إنتاج الأخلاقيات اللزجة

المتأمل لعالمنا المعاصر يكتشف أنه يزخر بتدفقات هائلة من التكنولوجيا تصاحبها أنماط متجددة من السلع الاستهلاكية، وأشكال مستحدثة من الأسواق والأفكار والأجندات، وعبور الحدود لكثير من مظاهر الانحراف مثل الهجرة غير الشرعية والمخدرات والاتجار بالبشر، مع تزايد الحروب والنزاعات الإقليمية. وعلى أصداء كل هذه التغيرات، ليس غريبًا أن يوصف العالم بأوصاف مختلفة مثل الفوضى أو عدم اليقين، فلا شيء ثابت، كما أن حدود المستقبل غير معروفة بشكل دقيق ودون قدرة المجتمع على أن يتنبأ بها أو أن يرصدها. وإزاء ذلك فنحن نحتاج إلى تأمل هذا العالم وأن نكتشف طبيعة التناقضات الكامنة داخله التى تجعلنا حائرين أمام الأحداث الأخيرة فى غزة؛ من قتل للفلسطينيين وتدمير مجتمع بأسره والقصاص من أصحاب حق، وعدم مراعاة أى شكل من أشكال القانون الدولى أو القانون الإنسانى. هذا الوضع وغيره يجعلنا نتأمل هذا العالم بعمق ونكتشف ما فيه من تناقضات، وسوف أحاول هنا أن أسرد أربعة تناقضات أساسية قد نراها موجودة فى قلب هذه المنظومة العالمية وهى تناقضات تجعل العالم عالمًا قلقًا وغير قادر على أن يحقق أى قدر من الانبعاث الأخلاقى الذى يمكنه من الدفاع عن قيمه الأساسية التى بنى عليها، قيم الأخلاق والمثل العليا والتسامح والتى دعا إليها عندما كان فى بداية نشأته بدءًا من القرن السادس عشر فصاعدًا.

من التناقضات الأولى داخل منظومة العولمة نظام تقسيم العمل. فرغم أن القوانين الدولية تشير إلى أن الدول تتساوى فى الحقوق والواجبات، وتعمل المنظمات الدولية على تدعيم قيم العدل والمساواة بين الشعوب، إلا أن نظام تقسيم العمل السائد لا يدل على أى شكل من أشكال المساواة، فهو قائم على أن هناك دولًا تنتج فائضًا من خلال ما لديها من موارد اقتصادية هائلة من البترول والمعادن المختلفة والمنتجات الزراعية المختلفة ودولًا أخرى تمتص هذا الفائض وتستهلكه. أريد أن أقول من هذه النقطة إن النظام العالمى يقوم على شكل من أشكال عدم العدالة التى تفرق بين مستويات فقيرة ومستويات لديها القدرة على السيطرة والاستحواذ بحيث تزداد بعض الدول فى الغنى وتزداد أخرى فى الفقر.

أما المستوى الثانى من التناقضات فهو تناقض يقوم على ما تؤدى إليه العولمة من خلق أشكال وصور من التشابه بين مدن العالم المختلفة وبين العادات والتقاليد الحديثة. فثمة تشابه فى نظام البناء والأسواق والإنتاج، وثمة قواعد عامة تحكم حتى النظم الإنتاجية والاستهلاكية فى العالم كله التى تسيطر عليها شركات متعددة الجنسية. وفى مقابل هذا التوجه نحو التشابهات الموجودة فى قلب العالم، فإن العالم عند القاع يتحول إلى قرى وقبائل متفرقة؛ فالعولمة توحد العالم من أعلى وتفرقه من أسفل، وهى تخلق صراعات دائمة حول الدين والعرق واللغة والسلالة، وهذه الصراعات تخلق ظروفًا ملائمة للدول القوية بأن تسيطر وتستحوذ وتبيع السلاح وتستثمر كما لو كان العالم الغنى يستثمر فى الصراعات ويحول الصراعات إلى أطر استثمارية يمكن التكسب منها من خلال بيع السلاح وإسقاط دول بعينها فى براثن الفقر والاعتماد الدائم على السلع التى تنتج فى المجتمعات الغنية.

أما التناقض الثالث والمهم جدا فإنه يقوم على ما يوجد فى نظام الحداثة. فهذه المنظومة بها دعاوى أخلاقية كبرى مثل الدعوة إلى حقوق الإنسان التى يجسدها الإعلان العالمى لحقوق الإنسان والذى يؤكد أن البشر متساوون فى الحقوق والواجبات، كما أن العالم قد تأسس على مبادئ أخلاقية عظيمة ظهرت بدايتها فى عصر النهضة فى إيطاليا ممثلة فى الفنون الراقية، ثم فى الفلسفات الكبرى التى ظهرت فى أوروبا، ثم فى نظريات العقد الاجتماعى، وجميعها تدعو إلى المساواة بين الشعوب، وفى المقابل نجد أن السياسة التى تمارس على أرض الواقع تنتج أشكالًا من السياسة والممارسات تصاحبها حروب ونزاعات تقض ظهر كثير من المجتمعات. ثمة تناقض هنا بين الدعاوى الأخلاقية الكبرى التى تقوم عليها منظومة الحداثة فى العصر الحديث وبين السلوكيات التى لا تشى بأى شكل من أشكال الأخلاق.

أما التناقض الأخير والذى يتمثل فى عنوان المقالة فهو التناقض بين السيولة واللزوجة، فقد وصف بعض العلماء فى العلوم الاجتماعية العالم الحديث بأنه عالم سائل يحول كل ما هو صلب إلى سائل، وأن ثمة تدفقات سائلة فى كل مكان فى السياسة والاقتصاد والعادات والتقاليد والتكنولوجيا الحديثة وعالم الإنترنت الذى أدى إلى تعميق وتكريس هذه السيولة فى المجتمع، ولكن نجادل هنا بالقول إن المجتمعات ليست سائلة فحسب، فهذه السيولة تنتج أخلاقيات لزجة تظهر فى كثير من الممارسات على المستوى العالمى. فما يزال التمركز والحنين الكبير إلى الاستعمار بحيث نجد أن كل دولة تعتبر الدول التى كانت تستعمرها فى الماضى ماتزال تابعة لها وعندما تظهر فيها أزمة كأنها هى المسئولة عنها وهى التى تحمى أراضيها وتلك لزوجة تاريخية. ويتبدى المظهر الآخر فى المعايير المزدوجة التى تستخدمها كثير من الدول مثل استخدام معيار معين عندما أحكم على الفلسطينيين واستخدام معيار آخر عندما أحكم على الإسرائيليين، أو استخدام معيار مختلف عندما أتعامل مع إفريقيا وآخر مع أى دولة أخرى. إن المعايير المزدوجة أصبحت ظاهرة واضحة فى بنية النظام الرأسمالى المعاصر، وقد نشير أيضاً إلى ظهور أشكال من التصنيف التى تصنف البشر بأشكال مختلفة وفقاً للعرق والسلالة والدين، ومن مظاهر التناقض أيضاً التلكؤ الشديد فى حل المشكلات حيث يتم استثمارها ويتم حقن وقود دائم فى الصراعات من خلال المبعوثين الدوليين تارة والمؤتمرات تارة أخرى لكى تتمدد وتنتشر عبر فترة طويلة. وفى ضوء ذلك نجد أن العالم يقف على صفيح ساخن فلابد من إعادة النظر فى منظوماته الأخلاقية وفى تاريخه وأن نستعيد من هذا التاريخ الأفكار العظيمة التى ظهرت فى عصر التنوير وما بعده وأن نستبعد الممارسات التى تجعل أخلاقياته بهذا القدر من اللزوجة.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: