رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لن تنجو إسرائيل بإشعال المزيد من النار

التوجه إلى جوهر الأزمة مباشرة وهو الاحتلال الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس .. هذا ما دعا إليه الرئيس عبدالفتاح السيسى، خلال قمة القاهرة للسلام، وعند استقباله الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون.

إسرائيل تتهرب من التزاماتها، وتتجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، مستندة إلى القوة العسكرية، وتأييد الولايات المتحدة وحلفائها لكل ما تفعله، ومن دون شروط أو سقف، وكانت النتيجة أن ظنت إسرائيل وحكومتها اليمينية المتطرفة أن بالإمكان ابتلاع كل حقوق الشعب الفلسطيني، بل ذهبت أبعد من ذلك، واعتقدت أنها يمكن أن تقضى على فكرة الدولة الفلسطينية، وأن تتخلص تماما من القضية الفلسطينية، وأن تلقى بهم إلى الدول المجاورة، أو توزعهم على الدول العربية أو غيرها.

هذا التصور أو الأوهام الإسرائيلية هى التى قادت إلى تلك الحرب والمواجهات الدامية، وفوجئت إسرائيل بهجوم لم يسبق له مثيل شنته كتائب القسام «الذراع العسكرية لحركة حماس» فى السابع من أكتوبر الحالى، وتسبب فى خسائر هائلة فى القواعد العسكرية والمستوطنات الإسرائيلية المحيطة بقطاع غزة، كما تسبب الهجوم أيضا فى حالة هذيان أصابت حكومة نيتانياهو الأكثر تطرفا فى تاريخ إسرائيل.

ولم يجد أمامه إلا الأهداف السهلة وهى المدنيون، فلم يتوقف الطيران عن قصف المنازل، والمدفعية تدك ما تصل إليه دون تمييز، والبوارج تطلق حممها، لتغرق غزة فى حمامات من الدماء، ولم تسلم المستشفيات والمساجد والكنائس من التدمير، بل كانت ضمن بنك الأهداف الذى وضعته إسرائيل، والذى يتسع لكل الخدمات التى يحتاجها السكان المدنيون.


فالمخابز والمطاعم ومخازن الغذاء كانت من بين الأهداف، فهل هذه بطولة تعيد الهيبة للجيش الإسرائيلى المدجج بترسانة هائلة من الأسلحة المتطورة والذخائر؟!، وسقط فى تلك المذابح أكثر من ألفى طفل، ولم تقف الجرائم الإسرائيلية عند هذا الحد، فقد منعت وصول الغذاء والدواء والوقود وقطعت الكهرباء ومياه الشرب، وأطلقت ما سمته «أحزمة النيران» لتطوق أحياء أو مربعات سكنية بكل ما فيها. وكل هذه الجرائم والدماء لن تحقق لإسرائيل الأمان، ولن تنقذ نيتانياهو وحكومته من المصير البائس الذى ينتظرهما، حيث يظن أنه بمزيد من المذابح يمكن أن يهدئ من روع أسر القتلى والأسرى، وأن يمتص غضب منتقديه، ويتهرب من المسئولية عما حدث من هزيمة مدوية تلقاها الجيش الإسرائيلى من منظمة لا تملك إلا القليل من السلاح فى قطاع غزة المحاصر برا وبحرا وجوا، والذى تحول إلى أضخم سجن فى العالم، محاطا بالأسوار والأسلاك الشائكة، وليس فيه فرص عمل أو بارقة أمل لشبابه، فماذا كان ينتظر من هؤلاء؟ لقد تراكمت الكراهية للاحتلال وحصاره وجرائمه وغطرسته، وكان لابد من الانفجار، وهذا ما حدث فى السابع من أكتوبر الذى أسقط نظرية الأسوار العالية الذكية والقاتلة، وتوقفت مجساتها الإلكترونية عن العمل، وتعرضت الاتصالات للتشويش فكانت المفاجأة الكبرى، والصفعة المدوية، فماذا سيفعل نيتانياهو غير ارتكاب المزيد من المذابح التى لن تفعل شيئا على الصعيد العسكري، وإنما ستثير غضب العالم كله وليس العرب فقط؟ هل سيشعل المزيد من النيران حتى تصل الحرائق إلى الكثير من الدول، أولاها لبنان وسوريا، ثم تتمدد إلى دول أخرى؟ هل يراهن على تورط الولايات المتحدة وبريطانيا فى الحرب؟ فلينظر إلى أوكرانيا، التى هبت الولايات المتحدة لإنقاذها وإرسال كميات هائلة من الأسلحة والذخيرة، وكذلك فعلت بريطانيا ودول أوروبية أخرى، فهل أنقذتها كل تلك الأسلحة؟ هل يظن أن تلك الدول سترسل جنودها لإشعال المزيد من الحرائق؟ فليفكر قليلا ثم ليُجب، هل من مصلحة الولايات المتحدة وأوروبا أن تشتعل المنطقة، وأن تحترق المصالح الأمريكية، وأن تتهدد إمدادات الغاز والنفط، وأن تستثير كراهية الشعوب؟ بالتأكيد لن ترحب الولايات المتحدة بأن تتعرض لكل هذه المخاطر، وأن تفسح الطريق أمام خصميها الرئيسيين الصين وروسيا لتتقدما، وتزيحا النفوذ الأمريكى والأوروبى من تلك المنطقة الحيوية، أى أن نيتانياهو يقف حجر عثرة أمام المصالح الأمريكية، ولن تتحمل الولايات المتحدة تلك الكلفة العالية، وأن تضحى من أجل إصلاح أخطاء نيتانياهو والحكومات الإسرائيلية السابقة التى رفضت الأيادى العربية الممتدة بالسلام، وفق معادلة «الأرض مقابل السلام»، التى كانت كفيلة بأن يعم الاستقرار المنطقة، وأن توجه استثماراتها نحو التنمية بدلا من الحروب، لكن حكومات إسرائيل واصلت هدم مساكن الفلسطينيين، واعتقال الشباب، وبناء المستوطنات وتدنيس المقدسات الإسلامية والمسيحية، ورفضت التجاوب مع مبادرة السلام العربية، وكانت النتيجة ما نراه الآن من شلالات الدماء والدمار الشامل، وعندما قررت حكومة نيتانياهو اجتياح قطاع غزة برا، قال الرئيس الأمريكى: «لا تكرروا أخطاءنا فى العراق وأفغانستان»، ماذا ستفعلون بعد الاجتياح المكلف والمدمر؟ ولم يجد نيتانياهو وحكومته إجابة. فالسيطرة على قطاع غزة والبقاء فيه مستحيلان، وسيتحول إلى فخ كبير للقوات الإسرائيلية، التى سترحل بأسرع مما انسحبت منه، فقد كان الانسحاب الإسرائيلى من غزة عام 2005 تحت ضربات عمليات غير منظمة، من أفراد ليس لديهم غير القليل جدا من السلاح والتدريب، لكن الوضع الآن مختلف، والفصائل الفلسطينية تعمل باحترافية وقدرات متنامية، ولهذا ستكون الخسائر جسيمة فى صفوف الجيش الإسرائيلى المرتبك والخائف. البعض فكر أو أعاد فكرة التهجير، لكنها قوبلت بكل قوة وصرامة من جانب الرئيس عبد الفتاح السيسى والملك عبد الله بن الحسين، وجاءت النتيجة واضحة فى مشروعى القرارين المعروضين من الولايات المتحدة وروسيا فى مجلس الأمن، وكل منهما يتضمن بندا صريحا برفض التهجير القسرى للسكان، وكانت الرسالة المصرية واضحة «لا ترتكبوا هذه الحماقة، ولا تستفزوا المصريين».

إن الولايات المتحدة تدرك حجم الورطة التى جرتها عليها إسرائيل وحكوماتها، ولكنها لا يمكن أن تتخلى عنها فى تلك المحنة، وأيضا لن تجاريها فى الحماقات، وعليها ألا تمدد الحرائق، وأن تطفئها قبل أن تتمدد، لأن الجميع سيخسرون، ولن تجنى الحرب الواسعة إلا دمارا شاملا ستكون إسرائيل فى قلبه.

هذا يعنى أن كل الطرق مسدودة أمام إسرائيل، فلا الحرب ستنقذها، ولا الولايات المتحدة وأوروبا ستتحملان الخسائر لمدة كبيرة، وسوف تضطر فى نهاية المطاف إلى الانصياع، وتنفيذ ما نصح به الرئيس عبد الفتاح السيسى بمعالجة جذور الأزمة، وليس أعراضها، والقبول بحل الدولتين، وإلا فالنهاية ستكون مؤلمة للجميع، ولن تنجو إسرائيل من دفع ثمن فادح إذا واصلت إنكار الحقوق الفلسطينية.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت

رابط دائم: