رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عثمان محمد عثمان

ما أصعب رحيل الأصدقاء ناهيك بأعزهم! وبأن يأتى الفراق فى زمن يتوالى فيه فقد الأحباب، وعلى الرغم من أن هذا الصديق العزيز قد عانى طويلًا قبل انتقاله إلى رحاب ربه فإن للموت دائمًا قدرته على أن يفاجئنا مهما بدا أنه يدنو من هدفه، ولعل جزءًا من مفاجأة الموت تعلقنا بلطف الله سبحانه ورحمته، والأمل فى قدرته وحده على كل شىء، ولقد شاء القدر أن نلتقى قبل الوفاة بأيام قليلة، مع أن لقاءاتنا كانت متباعدة بحكم الالتزامات الشخصية والبعد الجغرافى، غير أنى صممت على زيارته وإن بعدت الزيارة زمنيًا عن نية القيام بها لأمر لم أفهمه فى حينها إلى أن تمت قبل الوفاة بأيام قليلة، ليأتى لقاؤنا على أجمل ما يكون بمشاركة رفيقة عمره وابنه الأكبر، ولم أكن أدرى حينها أنه اللقاء الأخير، وأنه مغادر إلى دار البقاء بعد أيام، فقد كان فى قمة حضوره، ولم تغب عنه ابتسامته الهادئة رغم الوهن البادى عليه، وعندما تلقيت خبر وفاته بعد دقائق قليلة من منتصف ليل يوم الوفاة اعتصرنى ألم عميق وأنا أستعرض رغمًا عنى شريط ذكريات علاقة إنسانية رائعة امتدت لثلثى القرن، فقد تزاملنا منذ الصف الأول الإعدادى فى مدرسة شبرا الإعدادية ثم التوفيقية الثانوية وكلية الاقتصاد، والعلوم السياسية، ورغم أنه اختار أن يتخصص فى الاقتصاد واخترت أنا السياسة فقد استمرت العلاقة بيننا على نفس الوتيرة، بل تعمقت يومًا بعد يوم، وانطبق هذا الحال على ما كانت دفعتنا تسميه رباعى شبرا أى كلانا ومعنا أسامة الغزالى وعبدالقادر شهيب.

ولا أدرى الكيفية التى قفز بها شريط الذكريات إلى رأسى فأخذت أستعرض مشاهد جميلة لعلاقة أجمل داخل فصول الدراسة وخارجها فى المباريات الرياضية بين الفصول والفرحة البريئة بإحراز النصر، والرحلات المدرسية للأقصر وأسوان والإسكندرية والمعسكرات الصيفية، ومباريات الكرة الشراب فى الشوارع الخالية بأرض أغاخان، وكانت حراسة المرمى دائمًا من نصيبه، وأذكر قولى له بعد توليه مسئولية وزارة التنمية والتخطيط الاقتصادى أننى واثق من أنه سيبذل قصارى جهده حتى لا يدخل فى مرمى اقتصادنا هدف، تمامًا كما كان يفعل أيام الصبا، وتذكرت أيضًا أيام منظمة الشباب ودوراتها التدريبية ومعسكرات العمل التى تمت فى إطارها، والأيام التى حلمنا فيها قبل عدوان يونيو١٩٦٧قبيل امتحانات السنة الثانية الجامعية بالنصر فى معركة فلسطين لنفيق على الهزيمة العسكرية المرة، ونشارك فور تنحى عبدالناصر فى الحركة التاريخية للشعب المصرى يومى ٩ و١٠يونيو التى كانت بيانًا من الشعب بأنه قرر الصمود فى وجه الهزيمة كخيار وحيد، وفى المظاهرات التى خرجت تندد بالأحكام الهينة التى صدرت بحق قادة الطيران، أما الذكريات الجميلة للمهمة العلمية التى جمعتنا ودامت عامًا بعد الدكتوراه فى معهد ماساسوستش للتكنولوجيا ببوسطن فحدث عنها ولا حرج، وفى الحياة العملية شق عثمان طريقه باقتدار فى معهد التخطيط القومى حتى أصبح مديرًا له ثم وزيرًا للتنمية والتخطيط الاقتصادى، ومازلت أذكر وأعتز كثيرًا باللقاءات فى شرفة شقتى بالساحل الشمالى حيث كنا نتبادل الرأى فى الشأن العام، وأشهد أنه كان يتحدث حديثًا صريحًا أضفى على مناقشاتنا جدية وجدوى، وكأنه كان يجد فى مثل هذه الجلسات صمامًا لتخفيف الضغوط الهائلة المصاحبة لمسئوليته الوزارية.

كان عثمان باحثًا من الطراز الأول، وكم شعرت بالسعادة بعد أن تخفف من المنصب الوزارى لاستئنافه مسيرته البحثية باقتدار فألف عددًا من الكتب رفيعة المستوى كان أهمها فى تقديرى عن الثورة المصرية أى ثورة يناير٢٠١١، ومعجزة الصين، ثم كتابه الأخير عن تفكيك معضلة التنمية فى مصر، وكان لى شرف مناقشة كتابه عن الثورة المصرية فى معهد التخطيط، ورغم اختلافنا فى بعض الأفكار الواردة فى الكتاب فإن النقاش كان موضوعيًا بامتياز، والأهم أن الكتاب كشف كما أشرت أثناء النقاش أن عثمان محلل متمكن فى القضايا السياسية كما هو فى القضايا الاقتصادية، وهى سمة لا يتمتع بها سوى القلة، كما أن كتابه عن المعجزة الصينية أفادنى كثيرًا كباحث سياسى، إذ لا يمكن تقييم قوة الدولة الصينية واستشراف مستقبلها كقوة عالمية دون سبر أغوار مقدراتها الاقتصادية، أما أحدث كتبه وآخرها عن تفكيك معضلة التنمية فى مصر فقد شغلتنى أعبائى اليومية عن قراءته، وإن سمعت إعجابًا شديدًا به ممن أثق فى رأيه، ومن مفارقات القدر أن ينظم معهد التخطيط برئاسة مديره القدير الوفى الدكتور أشرف العربى ندوة عن الكتاب شارك فيها عثمان بنفسه بعد أن تحسنت صحته عقب سلسلة من الأزمات التى تعرض لها فى الآونة الأخيرة، وللأسف حالت التزاماتى بينى وبين حضور الندوة، غير أننى سمعت ممن حضرها كيف كان سعيدًا ومتقد الفكر وشارحًا لأفكاره بثقة ميزت مواقفه دومًا، وكأنه كان يودع الجماعة العلمية التى اعتز دومًا بالانتماء إليها، وكم كان جميلًا من الدكتور أشرف العربى وتعبيرًا عن وفاء صادق ميز سلوكه دائمًا أن يقيم له بعد انتهاء الندوة حفلًا صغيرًا بمناسبة عيد ميلاده الذى سبق وفاته بأيام قليلة.

كان مشهد الوداع مهيبًا، فالحزن النبيل بادٍ على الجموع التى احتشدت لأداء صلاة الجنازة على جثمانه الطاهر، وكانت الرحلة للمثوى الأخير قاسية، خاصة وقد لمس سائقى المخلص حرصى على ألا يضيع الطريق منى فإذا بى أجد سيارتى خلفه مباشرة، وبدا لى الموقف غريبًا، فلم نتعود دائمًا إلا أن نسير متجاورين، وتصورت أنه يشعر بى إلى جواره، وأنه ربما يمازحنى بابتسامته العريضة الصافية، فاللهم ارحمه رحمة واسعة واجزه عن وطنه خير الجزاء، وأنزل السكينة على رفيقة عمره وولديه وأسرتيهما.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: