رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الأوهام الإسرائيلية قفزة نحو المجهول

حين دعت مصر إلى قمة للسلام، حددت هدفها بتشكيل كتلة إقليمية عربية دولية داعمة للسلام والاستقرار، ووقف العدوان الإسرائيلى، وحماية المدنيين فى غزة، ومحاصرة خطر اندلاع حرب إقليمية لا يعلم أحد، سوى الخالق سبحانه وتعالى، كيف ستنتهى وماذا سيحدث فيها، وإعادة التركيز على أولوية حل القضية الفلسطينية عبر مفاوضات جادة مدعومة دوليا. الأهداف نبيلة تحمى الحقوق وتؤسس لسلام واستقرار للجميع. الرسالة المصرية بالرغم من وضوحها وضوح الشمس، مدعومة بموقف عربى قوى ورصين، واجهت مراوغة غربية ومناورات تنم عن كراهية للسلام والاستقرار ودعم العدوان الإسرائيلى بلا تحفظ.

المؤلم أن الأولويات التى عبر عنها ممثلو الدول الأوروبية بصلف شديد لم تكن سوى الرؤية الإسرائيلية الساعية إلى تفجير المنطقة وإبادة شعب غزة الصامد، وتمرير مقولة حق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها، ووصف منظمات المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، مع التركيز على أولوية تحرير ما يعتبرونه رهائن مختطفين، وهم فى الحقيقة أسرى حرب يحق تبادلهم مع الأسرى الفلسطينيين فى السجون الإسرائيلية. هذه الأولويات الأوروبية ومعها الموقف الأمريكى توفر لإسرائيل دعما سياسيا ومعنويا إلى جانب الدعم المادى الذى وفرته بالفعل تلك الدول عسكريا وإقتصاديا لحكام تل أبيب المهووسين بالقتل والدمار، للقيام بحملة برية فى القطاع بعد الانتهاء من حملة القصف الصاروخى التى لم تتوقف منذ 7 أكتوبر الماضى، والتى أسفرت عن استشهاد ما يقرب من خمسة آلاف فلسطينى وأكثر من 15 الف مصاب وجريح، ما زال العداد يحصى بلا توقف. ما يجعل أوروبا وكل من يسير على نهجها بقيادة أمريكية شريكا مباشرا فى العدوان. وللأسف هذه هى الحقيقة التى لا مفر منها.

الشراكة فى العدوان وتبريره ومنحه شرعية وفقا للمنطق الأمريكى الأوروبى، يضع المنطقة، والعالم بأسره أمام اختبار صعب وتحد هائل. الخطط الإسرائيلية التى أعلنت باعتبارها تسريبات وتؤكدها تصريحات وزير الحرب فى حكومة نيتانياهو أقل ما توصف بأنها خطط مجنونة، لا تضع أدنى اعتبار لحق الفلسطينيين فى الحياة شأنهم شأن أى شعب آخر. الخطة المجنونة تلك تستهدف ما يوصف باقتلاع البنية التحتية لحركة حماس، وتلك قد تأخذ شهورا تصل إلى عام، يليها تشكيل منظومة أمن إسرائيلية جديدة فى قطاع غزة، وإقامة منطقة محظورة بعمق يصل إلى 3 كيلومترات داخل الحدود الشمالية للقطاع ومنطقة أخرى فى الحدود الشرقية، يحظر على الفلسطينيين المرور فيها إلا بإذن من الجيش الإسرائيلى. سيتم وفقا للخطة تدمير كامل لمساحة واسعة تقترب من ثلث مساحة القطاع، وجعله أرضا مقفرة وتحت المراقبة المباشرة بمنظومة اليكترونية حديثة، وقد يتطلب الأمر حسب الأوهام الإسرائيلية تشكيل حكومة فى غزة بدلا من حكومة حماس، وفى كل الأحوال سيجرى دفع مليون فلسطينى إلى جنوب القطاع المُكدس أصلا.

الأوهام الإسرائيلية فى مثل تلك الخطة المجنونة، والتى لا يوجد عاقل فى الغرب ينصح بالكف عن هكذا تفكير جنونى عبثى مدمر، تعترف بأن الضحايا سيكونون كُثرا، وهم يستعدون لذلك من خلال إقامة أكبر مستشفى للطوارئ فى تل أبيب، وفرت له الولايات المتحدة ودول أوروبية سيارات الإسعاف المجهزة، والأجهزة الطبية المُعدة لغرف العناية المركزة، وغرف العمليات بأنواعها، فضلا عن الأدوية والمستلزمات الطبية، بينما يتم تدمير منهجى للمستشفيات فى غزة على من هم فيها. وقوع الضحايا لا يهم العقل الانتقامى السائد فى زمرة نيتانياهو المتطرفة، فالمهم هو وهم إبادة حركة حماس وثلث الفلسطينيين فى غزة.

هذا التفكير العبثى، وإن توقع مقاومة من قبل عناصر حماس، لكنه يظل يتوهم أنه قادر على اقتلاع كلى لحركة مقاومة لها ظهير شعبى مؤمن بالحق فى مقاومة الاحتلال حتى النصر المؤكد وإن طال الزمن. الفكر الانتقامى الإسرائيلى يتجاهل تماما التأثيرات التى حتما ستحدث على جبهات أخرى، كما يتجاهل مشاعر الغضب التى باتت تنتشر كالنار فى الهشيم، حتى فى داخل المجتمعات الأوروبية بالرغم من المواقف الحكومية الداعمة بقوة لإسرائيل وهمجيتها. إنه تفكير انتقامى يعكس حجم الذل والهوان الذى أصاب المفاصل الإسرائيلية منذ 7 اكتوبر الماضى. وللأسف مرة أخرى، فإن مواقف الدعم غير المسئولة من قبل واشنطن والعواصم الأوروبية الكبرى كفرنسا وبرلين ولندن، توفر الكثير من المحفزات لنخبة التطرف الإسرائيلية للاندفاع نحو مخاطرة كبرى تدفع المنطقة برمتها إلى انفجار مدمر للجميع بما فى ذلك إسرائيل ذاتها، والمصالح الغربية التى لا تجد عاقلا يعمل على حمايتها والحفاظ عليها، بل يخضع لرغبة انتقام مجنونة فاقدة أبسط قواعد العقل الرصين. يصل الوهم الإسرائيلى إلى حد أنه قادر على التحكم فى مجريات الاقتحام البرى لغزة، والقتل المنهجى للفلسطينيين، متصورا أن ردود الفعل الشعبية فى البلدان العربية والإسلامية سوف تكتفى بالفرجة دون الحركة. الغالب أنه لا أحد فى المجتمع الاسرائيلى المتطرف مدعوما بسياسات غربية استعمارية عفا عليها الزمن، يضع فى اعتباره حقيقة أن أى احتلال مصيره إلى زوال، وأن المقاومة الوطنية هى دائما المنتصرة مهما تكن التضحيات، تجربة الولايات المتحدة، القوة الأكبر عسكريا فى العالم ومعها مشاركات عسكرية أوروبية وغربية لمدة عشرين عاما فى أفغانستان ضد طالبان التى وصموها بالإرهاب، والتى تمسكت بحقها فى المقاومة، حتى أجبرت واشنطن على توسل المفاوضات معها من أجل الخروج الآمن، ما أنهى الاحتلال الأمريكى الغربى، وعودة طالبان لحكم البلاد إلامثال. قد نختلف مع أيديولوجية طالبان وحماس وغيرهما من حركات المقاومة الوطنية، لكن تظل الحقيقة التى يثبتها التاريخ دائما، أن الانتصار حتمى لأصحاب الحق، والهزيمة والذل والانكسار لكل محتل غاصب مهما تكن قوته وجبروته، فالمقاومة أقوى وأكثر دهاء.


لمزيد من مقالات د. حسن أبوطالب

رابط دائم: