رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

النظم الضريبية والإصلاح المالى

طالبت «كريستالينا جورجيفا» مدير صندوق النقد الدولى، بلدان الشرق الأوسط، ومن ضمنها مصر، بإعادة تصميم الأنظمة الضريبية المعمول بها حاليا، بغية توسيع القاعدة الضريبية وتحسين تصاعدية الضرائب والحد من التشوهات التى تؤدى لازدياد النشاط غير الرسمى مع تعزيز الشمول المالى. وفى هذا السياق طالب خبراء الصندوق من الحكومة المصرية بضرورة ترشيد الإعفاءات الضريبية والحد منها لتوفير حيز مالى يساعد على الإنفاق العام الاجتماعى على القطاعات الأساسية، خاصة الصحة والتعليم. يأتى ذلك فى ضوء توقعات الصندوق، من خلال تقرير الراصد المالى أكتوبر 2023، بازدياد عجز الموازنة من 4٫7% عام 2023 إلى 10٫7% عام 2024 وإلى 11٫1% عام 2025 فضلا عن تراجع الفائض الأولى من 2٫3% إلى 1.5% و2% خلال نفس الفترة. وتأتى هذه التوجهات المهمة فى ضوء ما اسفرت عنه نتائج تطبيق سياسة التصحيح المالى عن طريق خفض الإنفاق العام لإعادة التوازن المالى للموازنة. وهو المنهج الذى أُصطلح على تسميته «التقشف التوسعى»، وكان يحظى بقبول لدى صندوق النقد ومن سار على نهجه، وأخذ به العديد من البلدان ومن ضمنها مصر. وقد بدأ بالفعل إعادة النظر فى هذه السياسة، وظهر العديد من الدراسات التى حذرت منها لأنها غير مجدية ولها تأثير سلبى على النمو وتوزيع الدخل. ولذلك فإن سياسة التقشف عن طريق تخفيض النفقات العامة، قد أدت فى النهاية إلى المزيد من عدم المساواة وسوء توزيع الدخول، خاصة أن هناك إفراطا شديدا فى تخفيض الموازنات مما أدى إلى نتائج عكسية أضرت بأهداف النمو والعدالة الاجتماعية وحتى استمرارية السياسة المالية ذاتها. وهنا تجدر الإشارة الى انه ومن أهم التحديات التى تواجه صناع السياسات اليوم كيفية رفع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، وهى المحرك الأساسى لرفع مستويات المعيشة على المدى الطويل. ولمعالجة هذا التحدى، ينبغى استخدام السياسة المالية المواتية للنمو. إذ إن تحسين النظام الضريبى عامل مهم لتعزيز الإنتاجية لأنه يخفض التشوهات التى تحول دون توجيه الموارد إلى الأنشطة الأكثر إنتاجية. وتستطيع البلد التخلص من سوء توزيع الموارد عن طريق تحسين تصميم نظمها الضريبية بما يضمن أن تتخذ الشركات قراراتها استنادا إلى اسباب اقتصادية وليس لأسباب ضريبية، ويمكن المساعدة فى تحويل قرارات الشركات نحو الاستثمارات الأكثر إنتاجية، وليست المتمتعة بميزة ضريبية، عن طريق الحد من المعاملة الضريبية التفضيلية القائمة على نوع الأصل الرأسمالى والتمويل. وقد استقر الفكر الاقتصادى والمالى الحديث على أن الإصلاح الضريبى الكفء هو الذى يساعد فى إيجاد مناخ جيد للاستثمار، مع ضمان تحقيق أكبر قدر ممكن من العدالة الضريبية، ويوفر الموارد المالية اللازمة لخزانة الدولة لتمويل الإنفاق الاجتماعى. ويتسم الهيكل الضريبى المصرى بعدة سمات يأتى على رأسها ضعف الجهد الضريبى، والذى يقاس بنسبة المتحصلات الضريبة الى الناتج المحلى الإجمالى، والتى وصلت إلى 13%. ولهذا هبطت نسبة تغطية الإيرادات الضريبية للمصروفات العامة واصبحت الإيرادات الضريبية لا تكفى لسداد أقل من نصف المصروفات العامة. وهنا يفرق الاقتصاديون بين الطاقة الضريبية الممكنة والطاقة الفعلية، والفرق بينهما يعبر عن قدرة الدولة على فرض ضرائب جديدة دون إحداث آثار اقتصادية او اجتماعية او سياسية سلبية ولايمكن تحملها، وتتوقف هذه المسألة على عدة عناصر اساسية منها مستوى النمو الاقتصادى ونمط توزيع الدخول والتوزيع القطاعى للدخل القومى. فضلا عن القدرة الادارية للأجهزة الحكومية على تحصيل الضرائب. وبالتالى فان البحث عن الطاقة الضريبة الممكنة يجب ان يتم وفقا للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة، بحيث يتمكن المجتمع من تحقيق إيرادات ضريبية أكثر دون التأثير على معدلات النمو الاقتصادى ومعدلات الاستثمار. حتى لا يكون الاثر النهائى لهذه العملية بالسلب من منظور الاقتصاد القومى. كما يتميز النظام الضريبى المصرى بارتفاع نسبة التخلص من الضريبة إما عن طريق التهرب الضريبى أوعن طريق تجنب الضريبة، والثانى هو الذى يتم وفقا للقانون، بينما يتمثل التهرب فى مخالفة القانون والذى يتمثل فى عدم التقدم بالإقرارالضريبى من الأساس رغبة فى إخفاء النشاط وهو يعتبر جريمة فى حق المجتمع تجب محاربتها بقوة. ويمكننا إعزاء التهرب الضريبى إلى عدة عوامل يرجع بعضها إلى مصلحة الضرائب ذاتها، والبعض الآخر إلى الممول. ففيما يتعلق بالمصلحة فإن غموض القوانين الضريبية وتعقدها ادى الى تأخر المأموريات فى فحص الملفات الخاصة بالممولين لمدة طويلة يترتب عليه تأخير مستحقات المصلحة، ومن ثم تعرضها للسقوط بالتقادم من جهة، أو تراكم هذه المستحقات على الملتزمين بالسداد من جهة أخرى، بينما تنصب المجموعة الثانية من العوامل فى ضعف الوعى بسبب سيادة أنماط من القيم لدى الممولين ترى فى الضريبة مجرد جباية مالية من الدولة، ومن ناحية أخرى تعانى الإدارة الضريبية الكثير من أوجه الخلل والتعقيدات والافتقار إلى المرونة، الأمر الذى يؤدى إلى زيادة معدلات التهرب، وضعف معدلات التحصيل، وزيادة حجم المتأخرات الضريبية، وهنا تشير الإحصاءات الى ان هذه المتأخرات وصلت الى 307٫8 مليار جنيه فى ختام 2021/2022 منها نحو 252٫2 مليار لدى القطاع الخاص.وفى سبيل استئداء حقوق الخزانة العامة من المتأخرات الضريبية دون نزاع فقد صدرت عدة قوانين تسمح بالتجاوز عن مقابل التأخير والضريبة الاضافية والغرامات. وكلها أمور تشير الى ان الوضع الحالى يحتاج الى التدخل الذكى والمستمر والمنظم من جانب الدولة. وكذلك توفير المناخ الاستثمارى الجيد عن طريق الإصلاح التشريعى والإدارى المنظم والمنضبط للسياسة الضريبية. فالتغيرات السريعة والمتلاحقة فى القوانين لا تخلق مناخا جيدا بقدر ما تسهم فى إتاحة الفرصة للمضاربة والتلاعب بالأسواق. هذا فضلا عن ضرورة العمل على وضع القوانين موضع التنفيذ الفعلى وليس فقط إصدارها.


لمزيد من مقالات عبدالفتاح الجبالى

رابط دائم: