لم تنفصل الصحافة السويسرية عما يحدث فى غزة هذا الأسبوع، حيث تصدرت أخبار القطاع عناوين الصحف الوطنية والمحلية ووسائل الإعلام المختلفة التى لم يخف بعضها تحيزه تجاه إسرائيل تحت شعار الدفاع عن النفس، فى الوقت الذى حاولت فيه صحف أخرى الكتابة عن كافة الأطراف وتقديم مادة إعلامية تعتمد إلى أرض الواقع بعيدًا عن التحيزات السياسية.
وقامت جريدة تريبون دى جنيف اليومية الأشهر الناطقة بالفرنسية بتقديم متابعات يومية، فضلا عن تقارير تضمنت صورًا لم تعتدها الصحافة الأوروبية مثل صورة للجثامين المنتمين لأسرة واحدة، عائلة أبو العوف، التى غادرت شمال قطاع غزة نزوحًا إلى منزل فى دير البلح فى أقصى الجنوب حيث استشهدوا جميعًا بقصف إسرائيلى فى 15 أكتوبر 2023 وهى الصورة التى التقطها محمود حمص مصور وكالة الأنباء الفرنسية. جاءت الصورة مصحوبة بتقرير تحت عنوان شهادة من غزة بقلم الصحفية المولودة لأب قبائلى جزائرى وأم سويسرية مليكة ندير، التى تتولى رئاسة قسم تقارير عالمية فى الجريدة منذ عام 2019. وقد سبق لها العمل مراسلة فى التليفزيون السويسرى ومراسلة فى العاصمة الفرنسية باريس، كما حازت على جائزة جان دومور للصحفيين عام 2004.
وتحت عنوان : «إسرائيل تريد طردنا نحو الجنوب، كما حدث فى عام 1948» كتبت مليكة: بينما يتنقل مئات الآلاف من الفلسطينيين فى داخل قطاع غزة تاركين منازلهم، يرفض الصحفى رامى أبوجاموس مغادرة شقته. يعيش رامى مع زوجته وابنه البالغ من العمر عامين فى الطابق التاسع من برج فى حى الرمال، حيث قصفت مروحيات الجيش الإسرائيلى عدة مبان حولهم بالفعل. بلغ عدد الضحايا جراء الغارات فى أسبوع واحد فقط 2670 فلسطينيا. استهل رامى شهادته قائلًا: “فى كل الاشتباكات السابقة كنت أقوم بالتغطية الإعلامية وأصنع الخبر، ولكننى صرت اليوم خبرًا”، جاء ذلك فى اتصال هاتفى روى فيه مرارة الانتظار وشعور الفلسطينيين بمرارة التجاهل من العالم والتخلى عنهم.
وفى إجابة على سؤال عن سبب بقائه فى غزة المدينة، قال رامي: إسرائيل لا تريد القضاء على حماس فحسب، بل تريد الانتقام منا. الجيش الإسرائيلى يقصف القطاع بأكمله وصولًا إلى الجنوب الذى نصحنا بالرحيل إليه حيث دير البلح والنصيرات وخان يونس ورفح، لذلك لا جدوى من المغادرة. نحن نعلم أن الإسرائيليين لديهم المعدات والوسائل القادرة على استهداف هدف بحجم الدبوس، وهو ما حدث فى قنصهم لعناصر من أعضاء حركة حماس. لماذا يعاقبنا هكذا الآن؟، وهل من المقبول دوليا إن ارتكب أحدهم جريمة من وجهة نظر إسرائيل، أن يدفع أولاده الثمن، أليست إسرائيل دولة من المفترض أن تحترم القانون الدولي؟».
ويستطرد رامى قائلًا: «أنا لا أدافع عن حماس، نحن لسنا داعش، ولا نقتل الناس. نحن نريد فقط حريتنا، أن نعيش مثل أى شخص آخر فى دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيلية. أعطونا دولة ولن يكون هناك المزيد من حماس. كل هذا بسبب الحصار والاحتلال. نحن بشر، لا نريد أن نعيش مثل العبيد. لماذا يتجاهلنا العالم ويحتشد من أجل أوكرانيا وهى تتعرض للغزو والاحتلال من قبل روسيا؟ لأننا ليس لدينا شعر أشقر وعيون خضراء؟ لماذا نسى العالم كله أننا نعيش تحت الاحتلال؟ نحن مثل الأوكرانيين، لا نريد أن نكون تحت أى احتلال». ويقول رامى فى شهادته إن ما يحدث هو نكبة جديدة سيتكرر معها النزوح القسرى لمئات الآلاف من الفلسطينيين عام 1948. إن 80% من سكان غزة هم بالفعل أبناء وأحفاد لاجئين من عام 1948، أصلهم من حيفا ويافا وعسقلان وأشدود، تم طردهم من منازلهم إلى الجنوب على يد «الهاجاناه» - منظمة الدفاع الصهيونية التى كانت بمثابة قاعدة للجيش الإسرائيلي-. ما نعيشه اليوم هو نكبة 2023 حيث يجب على الفلسطينيين الفرار مرة أخرى نحو الجنوب، وهو ما يسعى الجيش الإسرائيلى اليوم للقيام به كما حدث فى عام 1948 بدعوتنا لمغادرة غزة باعتبارها مأوى اللاجئين. باختصار، تريد إسرائيل تفريغ غزة لضمها، بحجة القضاء على حماس. ويضيف رامي: «أنا أقاوم بطريقتى، أنا أفضّل الموت بكرامة على الفرار من أرضي».
ويستطرد رامي: «على الرغم مما تدعيه إسرائيل أن غزة لم تخضع للاحتلال منذ انسحابها عام 2005، إلا أن القطاع يخضع لحصار دائم منذ عام 2007، وهو حصار برى وجوى وبحرى أقرب للاحتلال، حيث لا يستطيع الفلسطينيون الخروج للصيد فى قواربهم فى مياههم الإقليمية لمسافة تتجاوز ثلاثة أميال بحرية، كما لا يمكنهم التنقل بحرية إلى الضفة الغربية حيث تتحكم إسرائيل فى أعداد وأسماء الداخلين والخارجين من غزة، وكمية السلع ونوعية البضائع التى تدخل إليها، حيث لا يتم السماح بالفعل بدخول المواد الخام. وبالتالى، إذا نجحنا وتمكنا من بناء مصنع، فسيتم قصفه. إسرائيل تدمر كل شيء، ولا تريد أن يكون لنا اقتصاد».وفى إجابة لسؤال أخير عن كيف سيصمد رامى وأسرته خلال الأيام القليلة القادمة، قال: لدينا فقط بعض أصناف البقالة والحفاضات لطفلي. وعندما يبدأ القصف، أغنى معه لإلهائه: «عيد ميلاد سعيد». ينظر طفلى وعيناه تقول: «أعلم أنك تكذب»، لكنه يصفق معي.
رابط دائم: