رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اجتهادات
العبثيون اليوم

ما أبعد المسافة بين العبث المتزايد فى عالمنا اليوم، وموجةٍ أدبية وفنية وفكرية عبرت عن آلام مُبدعين وشعورهم بانسحاق البشر. تأثروا بويلات الحرب العالمية الثانية، فتغيرت نظرتهم إلى الحياة، أو قل إنهم نظروا إليها فلم يجدوا معنى بعد أهوال القتل والتدمير. تأملوا معاناة ملايين البشر بسبب سياسات وقرارات وجدوها عبثيةً بامتياز، وبحثوا عن معنى لما حدث فلم يجدوا. ويعرف كُثر «مسرحية» صمويل بيكيت الأشهر فى تلك الموجة (فى انتظار جودو). لم تكن مسرحيةً مكتملة الأركان فنيًا، بمقدار ما كانت تعبيرًا رمزيًا إبداعيًا عن اللامعنى. فلا أحد يعرف من هو جودو هذا، ومتى سيصل، وهل سيصل فعلاً، وما سيفعله إن وصل. انتهى العمل، وتوفى صانعه، ولم يصل جودو بالطبع.

عبثيو اليوم صنفُ آخر تمامًا. يشبهون جزئيًا من أشعلوا الحرب العالمية الثانية، وقبلها حرب كبرى أخرى، وعاثوا فى الأرض فسادًا، على النحو الذى أنتج الموجة الأدبية والفنية والفكرية التى عبرت عن عبثهم. لكن خطر السياسيين العبثيين اليوم بات أخطر بعد التطور الذى حدث على مدى أكثر من ثمانية عقود، وغيَّر الكثير من أوجه الحياة على الأرض. يجمعُهم جنونُ يفوقُ أقصى ما يُمكن أن نجده فى مصحات العلاج العقلى فى أنحاء العالم. جنونُ الحرب والسلاح والدمار والاستهانة بأرواح البشر. لديهم حصانةُ فائقةُ ضد الإحساس بآلام الآخرين.

وحين يقترنُ العبث بالجنون فهو يُحَصِنُ أيضًا ضد الفهم والمعرفة, فتتعذر العودة إلى تاريخٍ قريب أو أبعد، واستخلاص درس أو دروس منه. ولهذا لا يدركون أن أحدًا لم يتمكن من اجتثات أحدٍ فى صراعاتٍ وحروبٍ طول التاريخ. فلم يُستأصل أى ممن أُريد اقتلاعهم من جذورهم أو القضاء عليهم.

هذا ما يخبرُنا به التاريخ المُدوَّن. استمرت بعض الحروب لقرونٍ طويلة، مثل حروب الفرس والرومان. فلا هذا قضى على ذاك، ولا العكس. كسب هذا جولات وربح ذاك أخرى. وهذا ما تعلمناه أيضًا من القرآن الكريم (غُلبت الرومُ فى أدنى الأرض وهم من بَعد غُلبِهم سيغلبون). ومازال القومان موجودين, وهكذا عبر التاريخ, إذ لا يقودُ العبثُ الجنونى سوى إلى القتل والدمار.


لمزيد من مقالات د. وحيد عبدالمجيد

رابط دائم: