ليست أخطاء حكام الساحة أو «الفار» هى ما يفسدُ جمال كرة القدم، بل الوقوف طويلاً أمام أى خطأ، وصراخ أنصار الفريق الذى ارتُكب هذا الخطأ فى حقه، وعويل المديرين الفنيين أحيانًا. لم يكن الأمرُ كذلك فى عصر اللعب الجميل وروح الرياضة السمحة. نجدُ الآن مديرين فنيين يُفترض أنهم مُخضرمون يولولون إن حدث خطأُ حرم فرقهم من أهدافٍ مُستحقة، أو أدى إلى احتساب أهداف غير صحيحة أو ضربات جزاء مشكوكٍ فيها ضدها. ويُصحب العويلُ أحيانًا بطلباتٍ غير قانونية، ولا هى منطقية، مثل إعادة مباراة حدث فيها خطأُ تحكيمى.
الأخطاء جزءُ لا يتجزأ من طبيعة اللعبة، بل ربما يجوز الذهاب إلى أبعد من ذلك وادعاء أنها تُضفى إثارةً وحيويةً عليها. لم يعد أحد قادرًا على تحمل أى خطأ. الأعصاب مشدودةُ طول وقت المباراة، والصراخ يصم الآذان بعدها إن حدث خطأ فيها.
أطراف اللعبة كلهم مسئولون عن هذه الأجواء المُسممة. لكن الاتحاد الدولى «الفيفا» يتحمل المسئولية الأولى. سعيه المستمر إلى تقليل الأخطاء التحكيمية بطرقٍ يبدو بعضُها تعسفيًا يُسهمُ بمقدارٍ وفير فى هذه الأجواء، لأنه يُشيع اعتقادًا فى أن الخطأ حرام. زعمُه غير المعقول أن تحقيق المزيد من العدل فى اللعبة يتطلب تجنب أخطاء الحكام ينطوى على تحريضٍ ضمنى.
ليست هذه الأخطاء هى ما يؤثر سلبيا على العدل لأن الفرق والمنتخبات كلها مُعرَّضةُ لها على قدم المساواة، بل أخطاء «الفيفا» التى بلغت ذروتها باختراع تقنية «الفار» التى يتبين يومًا بعد يوم أنها تُوترُ أجواء المباريات، وقد تُفسدها، وتتسبب فى مزيد من الشكاوى. لا تفيدُ هذه التقنية فى حالاتٍ صعبة لا بديل فيها عن تقدير الحكم الذى يُصيب غالبًا و يُخطئ أحيانًا. المهمُ ألاَّ يكون الخطأ مقصودًا بسبب انحياز مع أو ضد. وكم من أخطاء تحكيمية فادحة أثرت فى نتائج مسابقات فى مراحل سابقة دون أن تُقام الدنيا ولا تُقعد بسببها.
اتركوا اللعبة لتعود إلى طبيعتها. لا حاجة بنا إلى لعبةٍ اصطناعية فى زمن تُفقدُ فيه الأوضاعُ الطبيعية فى كثيرٍ من مجالات الحياة.
لمزيد من مقالات د. وحيد عبدالمجيد رابط دائم: