رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أكتوبر 73 .. إرادة الانتصار والكرامة

ما بين يونيو 67 واكتوبر 73، ستة أعوام مرت على مصر كأنها ستين عاما، لم يعرف فيها الجنود المصريون وقادتهم، الكلل أو الملل أو الاستسلام. كان لديهم جميعا الإيمان بأن تحرير الأرض ليس سوى مسألة وقت، وأن الإعداد لمعركة استرداد الكرامة، وتحرير سيناء، يجرى على قدم وساق، وأن الاحتكاكات السياسية فى أكثر من اتجاه دولى وإقليم، لا تعنى أبدا التنازل عن الحقوق بأى شكل كان.

الآن بعد خمسين عاما من انتصار اكتوبر، واسترداد كرامة الجيش المصرى، ودحر المقولات التى روج لها جيش العدو وحلفاؤه الأمريكيون ومؤسساته السياسية والدعائية، ما زالت قيمة المفاجأة الاستراتيجية، ممثلة فى بدء هجوم شامل على جبهة طولها 170 كم، مكشوفة لمن يملك الأقمار الاصطناعية، لاسيما الأمريكيين، والتى تتابع كل صغيرة وكبيرة من تحركات قوافل الدبابات والمدرعات المصرية إلى الجبهة، وبناء مواقع إطلاق الصواريخ، وتحركات المدافع وانتظامها بشكل هجومى، وانتقالات الجنود، والعربات المحملة بالجسور المعدنية، وهو ما سجله تقرير استخباراتى أمريكى قُدم للإدارة الأمريكية نهاية أبريل 73، وبدورها تم إرساله إلى إسرائيل، ومع ذلك لم تكتشف تلك الأقمار الاصطناعية الأمريكية تحديدا المغزى من وراء كل تلك الاستعدادات، ولا النيات المصرية والسورية، وفوجئ الجميع بالهجوم الساحق والعبور العظيم لجنود مصر الأبطال. التكنولوجيا فى حد ذاتها تقدم الكثير من المعلومات ولكنها تخفق فى إدراك ما وراء تلك المعلومات. وتصبح المسئولية فى اكتشاف المغزى والمعنى مرهونة بكفاءة العنصر البشرى فى أجهزة الامن القومى. ومن هنا حدث الاخفاق الكبير لإسرائيل وأمريكا معا، فكلاهما اعتمد تفسيرا بأن ما يحدث على الجبهة المصرية تحديدا ليس سوى مناورة لأغراض داخلية تخص النظام المصرى، ولرفع الروح المعنوية لا أكثر ولا أقل، وربما جذب اهتمام واشنطن للاهتمام أكثر ببذل دور سياسى لاقناع إسرائيل بإبداء مرونة فيما يتعلق بتنفيذ قرار مجلس الامن 242. واجمالا خضع المحللون فى الاستخبارات الأمريكية ونظراؤهم فى الموساد والاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، لنوع من الأوهام التى قاموا هم بترسيخها فى عقولهم، بأن مصر ليست سوى جثة هامدة، لن تستطيع أن تفعل شيئا خوفا من هزيمة أخرى كالتى حدثت فى يونيو 67، وقيادتها فاقدة لإرادة التغيير، وليس أمامها سوى تقديم التنازلات للطرف المنتصر، وعلاقتها المرتبكة مع موسكو وضعف السلاح السوفيتى المقدم لمصر، لا يتيح لها أبدا التفكير فى عمل عسكرى بأى مستوى ضد الجيش الذى لا يُقهر. ما حدث فى السادس من اكتوبر 1973، لم يزلزل فقط العنجهية العسكرية الاسرائيلية، بل أيضا الاستعلاء الأمريكى، وكشف الى أى مدى فقد فيه المحللون الإستراتيجيون القدرة على إدراك الأسلوب المصرى فى المواجهة وحجم الإيمان بالنصر لديهم، وثقتهم فى أنفسهم بعد الثقة فى الله العلى القدير، وقدرتهم على ابتكار أساليب وآليات لا يمكن للعقل الإسرائيلى أو الامريكى أن يصل إليها، وتوظيف كل ما تحت اليد من امكانات مهما تكن محدودة، من أجل معركة كبرى تنهى مرحلة الاستضعاف وتبدأ معها مرحلة النصر مصحوبا بكرامة الجندى المصرى. كانت الصعوبات كبيرة، والهدف المرجو بتحرير الأرض كاملة، يتطلب الكثير من الامكانات التسليحية فى حين المتوافر اقل بكثير، ومع ذلك لم يفكر أحد فى الاستسلام للأوهام الإسرائيلية المدعومة أمريكيا، بأن تنسحب القوات الإسرائيلية لمسافة 20 او 30 كيلومترا فى اتجاه الشرق، وتُفتح قناة السويس، وتبقى القوات الإسرائيلية فى باقى سيناء بحجة أمن إسرائيل، وتُمنح مصر فقط سيادة اسمية شكلية على كل سيناء، وهو العرض الذى قدمه هنرى كيسنجر مستشار الأمن القومى الأمريكى لمصر فى لقاءين تما مطلع العام 1973 مع حافظ إسماعيل مستشار الامن القومى آنذاك. وقد رفض الرئيس السادات العرض الأمريكى جملة وتفصيلا، وحين طرح الأمر على مجلس الأمن القومى فى اجتماع تاريخى ليلة 30 سبتمبر 1973، انتهى الأمر بقرار الحرب ولا غير الحرب. حرب مثلت مفاجاة كبرى للعالم بأسره، وفضحت حدود القوة العسكرية الإسرائيلية، وكسرت الغرور الأمريكى، ومعها بدأت عملية أكبر لتحرير سيناء وخروج القوات الاسرائيلية من كل شبر فى أرض سيناء. وما أشبه الليلة بالبارحة، العنجهية الإسرائيلية، عسكريا وسياسيا، وصلت إلى قمتها، مدعومة بدعم أمريكى وغربى غير محدود، وإنكار ممجوج لكل حقوق الشعب الفلسطينى، ورفض لكل مساعى البدء فى عملية سياسية تحاصر أسباب الصراع الفلسطينى الاسرائيلى، وتقدم بعض الأمل للأجيال الفلسطينية فى غد أفضل نسبيا. يصاحب ذلك شعور جارف بقوة عسكرية مطلقة، يرسخ وهما ثبت فشله عبر التاريخ الإنسانى كله، بأن ينجح الاحتلال فى البقاء والاستيطان واغتصاب الارض دون مقاومة من أصحابها الأصليين. لم تعتبر إسرائيل واجهزتها المختلفة من دروس الفشل فى اكتوبر 1973، ارتكنت إلى شعور مخادع بأن أصحاب الأرض الأصليين ليس أمامهم سوى الاستسلام والخضوع للاحتلال الإسرائيلى. لم تتصور إسرائيل وقادتها فى أحلك الكوابيس أن تخترق جماعات المقاومة رغم كل القيود والحصار، جدار الأمن المحيط بالقطاع جوا وبحرا وبرا، وأن يسقط جنودها ومستوطنوها أسرى، ويُصاب المئات، وأن تُصادر معدات وسيارات ودبابات لصالح المقاومين، وأن تدور معارك فى العمق الإسرائيلى بنحو 80 كيلومترا من حدود غزة. لقد سقطت نظرية الأمن والتفوق فى السابع من أكتوبر 2023 سقوطا مريعا. نموذج آخر للسادس من أكتوبر 73. أصحاب الحق أثبتوا قدرتهم على الخيال والابتكار جنبا إلى جنب الإصرار والإرادة لاسترداد الأرض وزرع الخوف والقلق لدى الإسرائيليين، الذين لم يفكروا إلا فى الهروب خارج الأرض المحتلة. وأيا كانت قسوة الضربات الجوية والبرية الاسرائيلية لقصف غزة وأهلها المرابطين، وأيا كان عدد الشهداء والمصابين، فلن تمحو أبدا عار الفشل الإسرائيلى فى إخضاع الفلسطينيين.


لمزيد من مقالات د. حسن أبوطالب

رابط دائم: