رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أعمدة التعليم السبعة

لقد تحول التعليم عبر تاريخ مصر الحديث إلى قضية تهم كل أفراد الشعب من جميع الفئات. فلم تصبح قضية التعليم حكرًا على أبناء الطبقة الوسطى التى ساهم التعليم نفسه فى تكوينها وبنائها، بل أصبحت قضية كل الفئات، ولن ننفق الوقت فى الكشف عن الدور الذى قام به التعليم فى بناء الحداثة المصرية منذ نيف وقرنين من الزمان؛ ولكننا – وعلى اصداء اهتمام الدولة بقضية التعليم – نحاول أن يتجه الحديث نحو تبيان المكونات الأساسية فى العملية التعليمية، والتى توضح لنا فى النهاية أهمية هذه العملية التكوينية.

يتصل العمود الأول بهدف التعليم. إن هدف التعليم يجب أن يكون واضحًا ومصاغًا بشكل واضح فى الوثائق الدستورية والقانونية، وفى السياسات العامة للدولة. وقد نص الدستور المصرى على أن «التعليم حق لكل مواطن هدفه بناء الشخصية المصرية والحفاظ على الهوية الوطنية، وتأصيل المنهج العلمى فى التفكير، وتنمية المواهب وتشجيع الابتكار، وتوسيع القيم الحضارية والروحية، وإرساء مفاهيم المواطنة والتسامح وعدم التمييز». والحقيقة أن هذه الصياغة تعكس وعيا ًكبيرًا بالدور المنوط بالتعليم فى بناء المواطن، وبالتالى فى بناء الأمة. لم يرد فى هذه الأهداف اكتساب المعارف والمهارات، وكأن المشرع يعتبرها شيئًا معطى وهدفا ًمعروفًا، فنظم الامتحانات، ومنح الشهادات تدلنا على أن اكتساب المعرفة والمهارة تشكل هدفًا ظاهرًا ومعروفًا للتعلم لا يجب التركيز عليه امام الهدف الأعظم وهو تكوين الانسان والحفاظ على هوية المجتمع وغرس قيم المواطنة والتسامح وعدم التمييز. ولا يجب أن يكتب هذا الهدف فى الوثيقة الدستورية فحسب بل يجب أن يكون واضحًا ويجسد فى كل سلوك تعليمى.

وينقلنا هذا إلى العمود الذى يسهم بدور كبير فى هذا التشكيل، وأقصد به محتوى المناهج، المصاغة فى كتب أو عبر تطبيقات اليكترونية. إن هذا المحتوى لا يجب أن يكتب اعتباطًا، وإنما يجب أن يكتب من خلال عقول متخصصة، عارفة بالأهداف الحقيقية للتعليم، ومقدرة لطبيعة المرحلة التى سوف يقرأ فيها التلميذ هذه المناهج، ولعل مرحلة التعليم الأساسى هى اهم المراحل جميعًا، ويدخل معها مرحلة ما قبل التعليم فى رياض الأطفال.يجب أن تبتعد هذه المناهج فى هذه المرحلة عن الغلظة والحشو الممل، وأن تكتب النصوص بشكل مشوق وجذاب، وان تعمل على غرس قيمالحق والواجب والمعروفوالمواطنة والتسامح بشكل ذكى وغير مباشر، خاصة فى مناهج اللغة والتاريخ والجغرافيا. ولا يجب أن تكون هذه المناهج مصاغة فى كتب، بل يجب أن تعتمد اعتمادًا كبيرًا على استخدام الوسائط الاليكترونية.

ثم يأتى بعد ذلك عمودان رئيسان يتعلق أحدها بالمدرس وثانيهما بطرق التدريس التى يعتمدها هذا المدرس، ذلك أن عملية التدريس لا تنفصل عمن يقوم بها. ولقد أهملت قضية المدرس اهمالًا كبيرًا خلال السنوات الأربعين الماضية. فالمدرس هو عماد العملية التعليمية، ولابد أن تتوافر له حياة كريمة ومكانة أكرم فى المجتمع، فهو المربى الفاضل، وهو المعلم المبجل، وهو الرمز والقدوة. وعلى خلفية هذا الاحترام والتبجيل تأتى خصائص أخرى تتعلق بمظهره، الذى يجب أن يطل على تلاميذه به من حيث رونق الملبس ونظافته. ولكن أهم من ذلك عقله ورؤيته للعالم التى يجب أن تخلو من أى صبغة تطرف أو توجهات سلبية؛ وأن تنفتح على عالم الخبرة، وأن تخرج من كل الأطر الضيقة المتعلقة بالقبيلة أو الإقليم أو اللون.وأهم من ذلك كله ما يحمله من معلومات، وما يكنه من إيمان راسخ بدوره ورسالته وحرصه عليها. هذا المدرس هو الذى يستطيع أن ينفذ طرق التدريس الجيدة، التى تقوم على الديموقراطية والمشاركة، والبعد عن استخدام العنف، والقدرة على عرض الموضوعات فى سهولة ويسر، وعدم استخدام أى شكل من السلوك الرمزى الذى يصنف التلاميذ أو يوقع على أحدهم أشكالًا من الوصم والتنمر.

ويأتى بعد ذلك ثلاثة أعمدة هامة ننظر إليها على أنها تشكل ما يطلق على البيئات التمكينية للعملية التعليمية. أول هذه الأعمدة هى المدرسة التى يتعلم فيها التلميذ. إنها يجب أن تكون مدرسة تشد إليها الرحال، أى مدرسة جذابة مشوقة، لا يملها التلاميذ ولا يهربون من فوق أسوارها.أتحدث عن بيئة المدرسة، من حيث أتساع مبناها، واشتماله على كل ما يسد حاجات الصغار من ملاعب، وقاعات موسيقى وأنشطه وفصول تعليمية نظيفة وجيده التهوية، وحمامات نظيفة وكافية. تكتمل كلها فى بيئة خضراء شارحة للصدر. ولا تكتمل العملية التعليمية إلا بثقافة مجتمعية واعية، عارفة بأهداف التعليم الكبرى. لقد انحرفت ثقافة التعليم كثيرًا عن مسارها، وأصبحت تركز على فكرة الحصول على الشهادة المتميزة، أو التى تمكن من العمل، أو حتى أى شهادة والسلام. إن هذه الاتجاهات يجب أن تتغير نحو تبنى ثقافة أكثر فهما لأهداف التعليم. وأن تكون الأسرة أحرص على بناء شخصية الابن او البنت وتوجيهاته الإيجابية وتكوينه الاجتماعى بشكل متواز مع اهتمامها بالحصول على شهادة؛ وأن تدرك أن التكوين الاجتماعى الثقافى المهنى هو مركب لا تنفصم عراه. وأخيرًا يأتى المكون الهام جدًا فى العملية التعليمية. أنه المكون المرتبط بالمشاركة المجتمعية. فلا سبيل إلى تعليم متميز يحقق أهدافه الظاهرة والكامنة إلا بمشاركة الأسرة، ونخب المجتمعات المحلية. ولابد من فهم الهدف من هذه المشاركة. أنها ليست سلطة يفرضها المجتمع المحلى على المدرسة، وإنما يتعاون من أجل فهم الهدف الأساسى للتعليم، ومن أجل تسهيل عمل الإدارة المدرسية والمدرسين، وخلق وشائج صلة بين الأسرة والمدرسة، وفهم الأطر الأخلاقية المنظمة للعلاقة بين المدرسة والمجتمع المحلي. وغالبًا ما تتحقق هذه المشاركة من خلال مجالس أمناء يتم تشكيلها داخل كل مدرسة، ويكون لها صلاحيات فى عمليات الصيانة والمتابعة وتقويم الأداء. وبعد ... فلا أظن أن هذا الحديث قد غطى كل شيء، أو أنه حديث مستحدث جديد، إن هدفه الأول هو أن يتعمق لدينا الوعى بأهمية التعليم فى بناء الإنسان، وأنه عملية شاملة لا يصح أن نتناول جانبًا منها دون الآخر.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: