رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

50 عاما من الانكسار المذل لإسرائيل

على مدى خمسين عاما وفى مثل هذا التوقيت من كل عام، تنصب المحاكمات وتتبادل الاتهامات وتتعالى الصرخات الممزوجة بدموع الإذلال والفجع والألسنة التى تقطر دما وأسى ولوعة فى إسرائيل، فى كل عام تصدح الحناجر وتضرب الحيرة وإعجاز المفاجأة، جنرالات جيش الاحتلال الذين مازالوا على قيد الحياة، وتشيع الصحافة ومراكز الأبحاث فى تل أبيب باللعنات من رحلوا بالسؤال اللغز، كيف فعلها المصريون.. كيف خدعونا؟ لماذا فى كل عام نتجرع كأس مرارة الهزيمة ويساق الإسرائيليون الى مشانق الموت الرمزى بنهاية حلم وأسطورة جيش الاحتلال الذى لايهزم، وكل ذلك بفعل قوة زلزال الانتصار المصرى الساحق فى السادس من أكتوبر. فى هذا العام كان تجرع مرارة الهزيمة فى إسرائيل مختلفا وعالى النبرة، بعد خمسين عاما أرادوا كشف الحقائق مبكرا، سعوا منذ مطلع سبتمبر الحالى وقبله بأيام الى إزاحة الكتمان عن وثائق تلك الحرب الملعونة، كما جاء فى تقرير الموساد بعد نهاية الحرب بأسبوع الى قيادة الأركان والجيش، والذى كشفه كتاب الموساد الذى نشرت أجزاء ورءوس أقلام منه الصحافة الإسرائيلية طيلة سبتمبر الحالى، وحمل عنوان (ذات يوم حين يكون الحديث مسموحا) حيث شرح التقرير فصول الخداع الاستراتيجى الذى تعرضت له إسرائيل على يد الرئيس المصرى آنذاك أنور السادات والذى قالت عنه واعترفت صراحة بأنه الرجل الداهية والزعيم الاستثنائى فى مصر والشرق الأوسط.

ولأول مرة أزاحت تل أبيب النقاب هذا العام فى الذكرى الخمسين للحرب عما كان ممنوعا ومسكوتا عنه بوثائق ومنشورات كمية كانت طَى السرية والتى كشفت وفضحت الإخفاق والأداء العسكرى والاستخباراتى والمعلوماتى الإسرائيلى، حتى إن تقارير صحافة تل أبيب وبعض كتابها أتتهم الشجاعة للقول والاعتراف صراحة ـ راجعوا مقالات الكتاب الإسرائيليين العبرية المترجمة إلى العربية فى سبتمبر الحالى بدقة ـ بأن العنوان الاثير الذى يلخص يوم السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣ بأنه يوم العار والمذلة الحقيقى لشعب وجيش إسرائيل، حيث انقسمت نوعية تلك الوثائق الى قسمين، الأكبر يتناول بالتدقيق والفحص والمراجعة تفاصيل ويوميات الإخفاق والهزيمة الإسرائيلية، وحالة الانكسار التى تولدت عن غرور إسرائيلى استمر لنحو ٦ سنوات فقط بعد حرب يونيو ٦٧، وكيف ان كل وحدات الجيش الإسرائيلى بلا استثناء تتحمل ومعها رئيسة الحكومة جولدا مائير النصيب الأكبر لتلك الهزيمة، والتحدث بإمعان عن قصص الخداع الاستراتيجى المصرى، وصيرورة المعارك منذ اللحظة الأولى لعبور ممر قناة السويس، وتسجيل قوة واندفاع وبسالة وإعداد المقاتل المصرى، الذى قالت عنه الوثائق انها تثبت ان هذه الوحدات وجنود هذا الجيش المصرى كانت من الكفاءة والاقتدار تدريبا وإعدادا وتسليحا وفكرا، ناهيك عن استراتيجية العبور والاقتحام التى تنم عن غول الثار والانتقام الذى تلبس أجساد الجنود المصريين، كما جاء فى تقرير موشيه ديان لاجتماع أزمة الحرب برئاسة جولدا مائير وجنرالات جيش الاحتلال الكبار صبيحة يوم السابع من أكتوبر، لتقييم سير العمليات العسكرية بعد يوم من اندلاعها حسب مقتطفات الصحافة الإسرائيلية طيلة هذا الشهر، ومنها صحيفة إسرائيل اليوم الموالية لنيتانياهو وغيرها من الوثائق الدالة على ان ما لحق بإسرائيل هزيمة وخداع لا يضارى، وان الانتصار أُوصد، ووقف الاكتساح العسكرى المصرى كان مستحيلا بسبب عنصر المباغتة والمفاجأة بحجم الاقتحام والاختراق المصرى من عدة جبهات برا وجوًا. القسم الثانى من تلك الوثائق يفرد باستطراد لقصص التجنيد والخداع من قبل اشرف مروان، وكيف كشف الأداء والتحضير المصرى لعملياته، وكيفية حيله بمعلومات حقيقية من داخل أروقة القرار المصرى لتأكيد المصداقية والجدية فى نقل المعلومات، بما فيها قرار موعد الحرب فى نفس اليوم ليلا بدلا من موعد الثانية بعد الظهر، والإطراء على نجاح السادات فى زرع مروان لدى إسرائيل، حتى ان خلاصة بعض العقلاء فى تل أبيب الآن انه كان عميلا مزدوجا وليس إسرائيليا، وان ابلاغه لتسفى زمير رئيس الموساد بموعد الحرب خلال لقائهم فى لندن يوم الخامس من أكتوبر كان متعمدا، وتشير الوثائق إلى ان تسليط الضوء على تعاون مروان مع الموساد، وكشف الحقائق يدين إسرائيل أكثر من كيل المديح للموساد فى ذلك الوقت، وان تصميم الموساد انه كان عميلا إسرائيليا فقط، هو جزء من تصفية الحسابات حاليا بين الموساد والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، لتحميل الأول الثانية مسئولية الهزيمة والإخفاق فى الحرب، بدليل نشر الصحافة الإسرائيلية الان اتهامات قيادة الجيش فى الحرب للموساد بانه خدع وقصر، وتلقى هزيمة وضربات موجعة من المصريين على يد مروان، بدليل أنه فشل على مدى ٣٠ عاما لإثبات ان مروان كان عميلا مزدوجا، وبالتالى كل ماينشر ويروج عنه من قبل تل أبيب وحدها هو لتجميل وجه إسرائيل ـ الجيش والموساد ـ بعد الخسارة المذلة لتلك الحرب. لامبالغة فى ان كل حديث عن السلام والاستقرار والتطبيع الآن فى الشرق الأوسط، هو نتاج حرب اكتوبر فعليا، التى وضعت الأساس والقواعد لعمليات السلام والتطبيع وماعدا ذلك تفاصيل، بدءا من كامب ديفيد، او وادى عربة وأوسلو، والاتفاق الإبراهيمى، وماهو قادم فى الإقليم، ويبقى الأمل لدى المصريين بعد خمسين عاما ان تدفع الدولة والقيادة المصرية لعمل سياسى وفنى بشريط سينمائى عملاق، يكشف النقاب ويسجل الوقائع لأسرار ويوميات حرب أكتوبر برؤية مصرية تاريخية تبهر العالم من واقع ماسجلته وثائق القوات المسلحة ليوميات الحرب قبل وبعد وأثناء، ناهيك عن قصص النجاح الباهر لسجلات الأمن القومى والعسكرى، والتى تحوى كنوز زمن البطولات والإعجاز وزمن الانتصارات المذل لإسرائيل.


لمزيد من مقالات ◀ أشرف العشرى

رابط دائم: