يواكب انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه الأيام مرور نصف الفترة الزمنية التى وضعت لتحقيق أهداف التنمية المستدامة (2015-2030)، وسط تقديرات فى أغلبها متشائمة بشأن القدرة على تحقيق الأهداف الموضوعة فى السنوات المتبقية. فقد كانت الغاية المثلى التى أعلنت مع أهداف التنمية لن نترك أحدًا خلف ظهورنا، لم يعد من الممكن تحقيقها، بعد أن تراجعت دول العالم – بدرجات متفاوتة- نتيجة متغيرين أساسيين هما: أزمة وباء كوفيد-19، والحرب الروسية الأوكرانية، ترك كلاهما تأثيرات سلبية على اقتصادات الدول المتقدمة والنامية على حد السواء، وبالطبع يزداد التأثيرعلى الدول النامية أكثر من غيرها. ويعود السبب إلى أن أهداف التنمية تحتاج إلى إنفاق متزايد حتى تستطيع بلوغ مراميها، ولا تصلح معها الميزانيات التقليدية للدول، وبينما استطاعت دول غنية تدبير مصادر إنفاق على أهداف التنمية المستدامة ضمن استراتيجياتها الوطنية، تعثر جواد دول أخرى فى متاهات الفقر، والضغوط الاقتصادية، وأزمة الديون، والتأثيرات السلبية للتغيرات المُناخية، ولجأت إلى التقشف الاقتصادى الذى يقف بالضرورة ضد التنمية المستدامة، ولا يساعد فى تحقيق أهدافها.
وتمثل أهداف التنمية المستدامة نتاج الفكر التنموى على مدى عقود من الزمن، بدءا من التفكير فى التنمية من منظور النمو الاقتصادى، ثم التنمية البشرية عندما أدركت الدول النامية أنه لا يكفى امتلاك الموارد دون العنصر البشرى المتعلم والمدرب جيدا، وأخيرا التنمية بوصفها تعبيرا عن سياسات عامة تحسن استغلال الموارد، وتكفل دولة القانون والعدالة والشفافية والمساءلة. وإذا كانت أهداف التنمية المستدامة (17) هدفًا، فإن الهدف رقم (10) هو بيت القصيد إن صح التعبير، والهدف المحورى الذى يقوم على مواجهة عدم المساواة، حيث لا يمكن تحقيق النمو الاقتصادى، والقضاء على الفقر، والمساواة بين الجنسين، وتوفير المياه النظيفة، والصحة، والطاقة النظيفة، والتعليم وغيرها من أهداف التنمية المستدامة، دون مواجهة جميع مظاهر عدم المساواة. فلا يمكن تحقق رعاية صحية أفضل دون مساواة بين الرجل والمرأة، ولا تتحقق تنمية ثقافية دون مساواة بين الحضر والريف، وليس بمقدور الدول بلوغ نمو اقتصادى ملموس دون مواجهة التهميش، وادماج كل قطاعات المجتمع، ولاسيما النساء، فى العملية الإنتاجية. ومما يوضح أهمية الهدف (10) أن التهميش وعدم المساواة لا يمثل نتيجة مباشرة للفقر فحسب، ولكنه يمثل حالة ممتدة، تراكمية، تُورث من جيل إلى جيل. فإذا كان الثراء والمكانة الاجتماعية تورث، فإن الفقر أيضا يورث بما يشبه الحلقة المفرغة. ينشأ الشخص فقيرًا فى مكان يخلو من الخدمات الأساسية، فلا يجد تعليمًا ولا صحة ولا عملا مناسبًا، وعندما يكبر يتزوج من فتاة فقيرة تشبهه فى الظروف والأوضاع، وينجبان أطفالا فقراء يواجهون نقص الخدمات، وغياب المرافق، وشظف العيش. وهكذا تستمر دائرة الفقر الجهنمية دون أن تجد من يستطيع الخروج منها.
من هنا فإن مبادرة حياة كريمة، والتى تمثل واحدة من أبرز مشروعات الدولة المصرية فى السنوات الأخيرة تقوم على تحقيق جملة من التدخلات التنموية المتزامنة فى القرى الأكثر فقرا، تعليم وصحة وسكن ملائم ومدارس وناد رياضى، الخ، بهدف إحداث نقلة نوعية لسكان هذه القرى تنقلهم من الفقر والتهميش إلى التنمية والمواطنة الفاعلة. بالطبع هناك إشكالية كبرى تواجه تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وهى العالمية فى مواجهة المحلية، حيث إن هذه الأهداف ذات طبيعة كونية، فى حين أن هناك عدم مساواة بين قارات العالم، ظهر ذلك جليًا فى التفاوت الصارخ فى توفير التطعيم الخاص بوباء كورونا بين الدول الغنية والفقيرة، وأيضا فى مواجهة أزمة الغذاء. وإذا نظرنا إلى الطابع العالمى لأهداف التنمية المستدامة فسوف نجد حالة من التناقض بين الهياكل الاقتصادية والسياسية من ناحية، وعدم اليقين من ناحية أخرى، حيث إن كثيرًا من الأزمات التى واجهت العالم فى السنوات الأخيرة كان من الصعب التنبؤ بها خاصة فى ضوء غياب اليقين بشأن المستقبل، وهو ما يمثل تحديًا أمام مؤسسات لم تتأهل لمواجهة أزمات مفاجئة ومعقدة.
هناك بالتأكيد عدة قضايا ملحة فى قلب أهداف التنمية المستدامة تشكل مستقبل العالم فى السنوات القادمة، هى مواجهة الانبعاثات، وارتفاع درجات الحرارة، واستدامة انتاج واستهلاك الغذاء، والصحة ومواجهة الأوبئة والمياه النظيفة، وإيجاد مدن مستدامة، قادرة على تقديم نوعية حياة أفضل لسكانها، وأخيرا الطاقة النظيفة أو الخضراء.
هذه محاور أساسية فى التنمية المستدامة يتعين على العالم التشارك فى مواجهة مشكلاتها، وتحمل تداعياتها، والعمل بجدية على التصدى لها.
لمزيد من مقالات د. سامح فوزى رابط دائم: