رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«صوت الحرية» والاستعباد الجديد

استغلال بعض البشر بشرا آخرين فصل كئيب ومحزن فى التاريخ الإنسانى كله، المحزن أكثر أن يظل هذا الاستغلال موجودا فى عالمنا الراهن الذى يصف نفسه بالعالم المتحضر والمدافع ظاهريا عن حقوق الإنسان، لكنه يقع فريسة لجماعات ومنظمات إجرامية لا تعترف بأى من هذه الشعارات، والمؤسف أن تجد أصواتا تنكر صواب من يسعى لفضح تلك المنظمات، ويتهمون المناهضين للاتجار بالبشر بأنهم ضد الحريات.

الاتجار بالبشر واحدة من أخطر ثلاث ظواهر تهدد الإنسان فى أى مكان، كبيرا كان أو صغيرا. وتقارير الأمم المتحدة تكشف عن وضع مأساوى لقطاعات من البشر يتم بيعهم واستغلالهم أسوأ استغلال من جهات إجرامية عبر الدول، كالاستغلال الجنسى وأعمال السخرة، وبيع البشر لاسيما الاطفال والفتيات، والخطف لنزع الأعضاء، ويحققون من وراء تلك التجارة أرباحا هائلة، تقدر بنحو 32 مليار دولار، وفقا لتقديرات 2021، فى المرتبة الثانية بعد تجارة المخدرات غير المشروعة، وتجارة السلاح. ووفقا للتقرير العالمى لمكافحة الاتجار بالبشر الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعنى بالمخدرات والجريمة كل عامين فإن عدد الأطفال ضحايا المتاجرين بالبشر تضاعف ثلاث مرات فى الأعوام الـ15 الماضية، فى حين أن حصة الأولاد تضاعفت خمس مرات. وظلت الفتاة ضحية للاستغلال الجنسي، أما الصبى فيُستخدم فى العمل القسري. كما أن المستضعفين من الفقراء واللاجئين، هم الأكثر تعرضا لأسواق الاستغلال والاستعباد الحديثة.

قبل شهرين عرض فى الولايات المتحدة فيلم «صوت الحرية»، من إنتاج مستقل، بتكاليف محدودة فى حدود 14 مليون دولار جاء معظمها من المكسيك، بعد أن رفضت شركات الانتاج الأمريكية الكبرى تمويل الفيلم أو الدعاية له ووقفت ضد تسويقه. والسبب يكمن فى أن موضوع الفيلم عن الإتجار بالبشر وخطف الاطفال تحديدا وبيعهم عبر الحدود إلى منظمات إجرامية فى بلدان أخرى، واستغلالهم فى أعمال جنسية ترضى مطالب فئات مشوهة إنسانيا، وتدفع الأموال الطائلة لترضى نزواتها الشيطانية. قصة الفيلم حقيقية لأحد عملاء الاستخبارات الأمريكية السابقين، الذى اسس منظمة لمكافحة ظاهرة خطف الأطفال واستغلالهم من قبل عصابات كولومبية، واستطاع أن يحرر بعض هؤلاء الأطفال بعد مغامرة مثيرة. الكثير من مشاهد الفيلم صادمة، وتكشف حجم الانتهاكات التى يتعرض لها الأطفال المخطوفون، وكيف يعاملون معاملة وفق أساليب مدروسة، تنهى لديهم أى شعور بالكرامة أو بالذنب عند اقتراف الأخطاء، وتبث فى نفوسهم الذل والمهانة إلى أبعد حد ممكن.

«صوت الحرية» يمثل صرخة تستهدف الوعى الإنسانى العام بخطورة تلك الظاهرة، التى تنتشر فى عدد من البلدان، فى الأمريكيتين وبعض دول آسيا، وفقا لتقارير الأمم المتحدة، كما فى بلدان إفريقية عديدة، يتعرض أهلها إلى مغريات كثيرة للانتقال إلى بلدان أخرى، يتم فيها اصطيادهم من قبل المنظمات الإجرامية، والتى استفادت من وسائل الاتصال وشبكة الانترنت والشبكة السوداء التى تتسيدها منظمات التهريب والمخدرات والجريمة المنظمة فى عمليات الاستقدام، مما يجعل عملية تعقب تلك المنظمات الاجرامية شاقة وتتطلب موارد كثيرة، وتعاونا دوليا بلا حدود، وهو الامر الذى ما زال مفقودا، بالرغم من كل المواثيق والمعاهدات والبروتوكولات الدولية التى تحث كل الدول على التعاون الجماعى للوقوف ضد هذه الظاهرة المشينة.

حين عرُض «صوت الحرية» فى داخل الولايات المتحدة، تداعت عدة ظواهر، أولها انقسام بين أهل هوليوود أنفسهم ونظرائهم من الإعلام الرسمى، أولهم التقدميون اليساريون والفضائحيون وذوو قناعات الحرية والتحرر المفرط فى كل الممارسات الجنسية، بما فيها الاعتداء على الاطفال، وثانيهم المحافظون نسبيا والمؤمنون بقيمة الأسرة الطبيعية وحق الأطفال فى الحماية من كل الانتهاكات. التقدميون ونظراؤهم يرون الفيلم يشجع على التطرف، وأنه يبالغ فى وصف الظاهرة، ويشيع قيما دينية لدى المشاهد، وأن بطله معروف عنه التزامه الدينى ويؤمن بنظرية المؤامرة، ووجود مجموعة نافذة دوليا تشجع على خطف الأطفال واستغلالهم فى أغراض مشبوهة، ومن ثم فهو فيلم ركيك كما ذكر أحد كبار المعلقين فى النيويورك تايمز.

المحافظون يرون الفيلم يستحق المشاهدة، لانه يخاطب الوعى، ويطرح حقائق صادمة، ويلفت نظر الآباء والأمهات إلى ضرورة الحرص الشديد فى متابعة أطفالهم فى مراحل حياتهم المختلفة، وعدم تركهم إلى أنفسهم بلا متابعة، او وضعهم فى أيدى جماعات غير معروفة أو مجهولة الاهتمامات. رسالة هؤلاء أن محاربة الفيلم وما فيه من رسالة واضحة ضد انتهاك حقوق الأطفال، هو فى حد ذاته إنكار لقضية خطيرة، ودفاع عن سلوكيات غير مشروعة ولا يمكن قبولها. وكما اتهم اليساريون المفرطون صناع الفيلم ومؤيديه بنظرية المؤامرة، رد عليهم المحافظون بمعلومات عن تلك الجماعات التى يقودها رموز فنية وإعلامية شهيرة جدا، تدفع نحو الممارسات غير الفطرية والبذيئة تحت شعار الحريات والحق فى المتعة بلا قيود، وإخضاع الإنتاج الفنى لتلك المعايير المبتذلة.

الجدل الأمريكى يعكس انقساما أيديولوجيا من جانب يطول المجتمع ككل، ويعكس أيضا موقف غالبية النخبة المتغلبة فى هوليوود، فنيا وإعلاميا وإنتاجا وتسويقا، والتى تتبنى نظرية تغيير السلوك بالإكراه عبر الأعمال الفنية التى يتم انتاجها بكلفة هائلة والدعاية لها بلا حدود، وتصب فى إشاعة الكثير مما يناقض الفطرة السليمة، وتوظيف منصات المشاهدة فى تسريب منظومة القيم التى يستهدفونها، ليس فقط فى امريكا، بل فى العالم كله. الآباء والأمهات والمعنيون بتربية الاجيال الجديدة فى العالم كله، مدعوون لتأمل رسالة الفيلم، والوعى بمخاطر تلك الأعمال الإجرامية الخطيرة.


لمزيد من مقالات د. حسن أبوطالب

رابط دائم: