رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حصنوا أولادكم ضد القُبح الأخلاقى

فى الأخبار، البنك الدولى أوقف منح أوغندا قروضا جديدة ومساعدات بسبب إصدار قانون يكافح السلوك الجنسى المنافى للفطرة السوية. وفى ماليزيا أصدرت وزارة الداخلية قرارا بمصادرة ساعة شهيرة تحمل شعارا يروج "للشذوذ"، وفرضت عقوبة مالية كبيرة لمن يرتديها أو يقوم ببيعها. وفى السياق ذاته منعت دول عربية ومسلمة عرض فيلم "باربى" لاحتوائه على مشاهد منافية للقيم والأخلاق، وهو التعبير المهذب للقيم المبتذلة. وفى العراق أصدر البرلمان قرارا بحظر استخدام أى تعبير سوى "الشذوذ" على المجتمع المنافى للفطرة ومروجيه، وطالب منظمات عربية باستخدام هذا المصطلح، أو أن تجمد العراق عضويتها فى تلك المنظمة.

من المهم، وكبداية أن يلاحظ القارئ أن أوغندا بلد غالبيته يدين بالديانة المسيحية، وشعبها يتعلق بالقيم الإخلاقية الدينية بشدة، ورئيسها موسيفينى يدين أى دعوة غربية أو أى محاولة لنشر قيم تتنافى مع القيم المسيحية فى بلاده، ويؤيده فى ذلك الشعب الأوغندى بلا منازع، وكثيرا ما يؤكد أن لا أحد أو عقوبات أو تهديدات سوف تجعل أوغندا تراجع موقفها الذى تؤمن به وتدافع عنه. والمزعج فى حالة أوغندا أن الحفاظ على القيم المسيحية والفطرة السليمة التى يؤمن بها المجتمع، باتت مصدرا لضغوط اقتصادية مباشرة من قبل البنك الدولى، فيما يعنى تجاوزه للمهمة والوظيفة التى أنشئ على أساسها كمؤسسة اقتصادية ومالية تدعم الدول لمواصلة برامجها التنموية. وتبدو الصيغة المطروحة أمام أوغندا كاختيار بين أمرين متنافرين؛ أولهما أن تحصل على مساعدات وتتخلى عن قيمها الدينية وتورط مجتمعها فى الرذيلة، وثانيهما أن تحافظ على تلك القيم الفطرية السوية وتتعرض لضغوط وعقوبات اقتصادية، وعملية تشويه لحكومتها تشارك فيها حكومات غربية بصورة مباشرة. وهى معادلة يبدو أنها لن تتوقف عند أوغندا، وقد تواجهها دول أخرى، وهو ما يطرح ضرورة تضامن الدول الرافضة لمثل هذه الضغوط، كسبيل وحيد، وأن تعبر عن ذلك بصورة جماعية ومعلنة بلا خجل أو تهاون.

وكبداية أيضا فإن مواجهة التيار الداعم "للشذوذ" عالميا ليست متعلقة بالدول التى تدين بالإسلام وحسب، بل أيضا بالدول التى تدين بالمسيحية وتؤمن بقيم الفطرة السوية كما خلقها الله تعالى، ومن هنا أهمية وضرورة أن تنشأ حركة عالمية تدعم تلك المواجهة من هذين الطرفين تحديدا؛ المسلمون والمسيحيون الأنقياء، ردا على الحركة العالمية التى تقودها دول ومؤسسات دولية ومنظمات وشركات كبرى لاسيما فى مجال الفنون والإعلام، جميعها غربية بالمعنى الأيديولوجى والثقافى، تروج لنفسها الحق فى فرض سلوكيات بعينها على العالم أجمع، مستفيدة من كونها تعبر عن دول غنية تقدم المساعدات للدول الأقل نموا. ولا يُخفى القائمون على تلك المؤسسات، لاسيما المنتجة للأعمال الفنية الممزوجة بقيم التفلت الاخلاقى، استراتيجيتهم بعيدة المدى فى نشر محتوى فنى وإعلامى فى كل الأعمال التى يقومون بتمويلها عبر شركات الإنتاج الشهيرة، وعبر المنصات البازغة والتى يقبل عليها الناس فى كل الدول دون تمحيص لنوعية الأعمال التى يقدمونها، تدعم ما يرونه تعددا للنوع الاجتماعى فى الجنس والعرق، وتجسد ما يؤمنون به من "فرض للسلوك"، من خلال التكرار والانتشار والتوجه إلى الفئات العمرية الأصغر، وتوظيف كل سبل الإبهار البصرى، وتسريب المعانى الوقحة بشكل ناعم وسلس، وذلك بغض النظر عن أى شيء آخر. وفى لقاء تليفزيونى ظهر أحد رؤساء شركة كبرى تمول الأعمال الفنية، وكله ثقة وعدوانية وزهو يثير الغثيان، مؤكدا أن تلك الاستراتيجية لنشر القبح الأخلاقى هى التعبير الأسمى عن الحرية، وأن القائمين عليه هم رسل للإنسانية جميعها!.

ويلاحظ ثالثا، أنه فى داخل تلك المجتمعات الغربية يوجد تيار شعبى ناشئ يرفض مبدأ فرض السلوك وتغيير الاتجاهات بالقوة والإكراه فى الجنس أو العرق، كما يحدث بالفعل. وفى منصات التواصل الاجتماعى فى الولايات المتحدة وكثير من الدول الأوروبية، ترتفع صيحات الغضب الشديد والرفض الجامح لما تلجأ إليه بعض الحكومات، كما هو الحال فى كندا والسويد وألمانيا وغيرها، من فرض دروس تحت مسمى النوع الاجتماعى على الطلاب دون العاشرة من العمر، تدفعهم إلى إنكار طبيعتهم الفطرية كرجل وامراة سويين، وتقنعهم بأن الأمر يتعلق باختيارات أخرى، وأن لهم الحرية فى إنكار ذواتهم الطبيعية، والتحول إلى مسوخ بكل معنى الكلمة.

ويصاحب ذلك تيار عدوانى استغلالى، يقوده أطباء فاقدون للضمير، يتولون عمليات تغيير الجنس بمبالغ هائلة للأولاد والبنات فى سن المراهقة دون أدنى حاجة لذلك، مستغلين مشاعر القلق والإضطراب الناتج عن الإفرازات الهرمونية فى تلك المرحلة العمرية المبكرة، ويصورونها كأساس لرفض وضعهم الطبيعى والتحول إلى وضع آخر. وكثير من الذين يقعون فرائس لهؤلاء الأطباء فاقدى الضمير الإنسانى، ينشرون تجاربهم بعد مرور عام أو عامين، يبدون فيه ندما عاليا على ما أصابهم من تشوه بدنى وعضوى وعقلى واضطراب فى المشاعر، نتيجة فقدان التوجيه الصحيح من آبائهم، الذين يتركونهم يواجهون تلك المحنة الكبرى بقية أعمارهم. وينتشر تسجيل لإحدى الفتيات المتحولات، وهى ابنة فنانة أمريكية مشهورة، توضح فيه مأساتها، وكيف أنها غيرت خلقتها الانثوية إلى شيء آخر لا معنى له، وتعيش حالة من اضطراب المشاعر لا تفيد معه كميات الأدوية والمهدئات التى تتناولها يوميا.

حالات الندم هذه ربما تشكل دافعا لتشكيل تيار مجتمعى يقف بصلابة أمام مجتمع الرذيلة والقًبح الاخلاقى. وفى بلادنا التى تبدو أفضل حالا، سيظل أمامها عبء تحصين الأجيال الجديدة بالأخلاق والقيم الفطرية السليمة، وحُسن التربية فى المنزل والمدرسة والمجال العام.


لمزيد من مقالات د. حسن أبوطالب

رابط دائم: