رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

جمال الغيطانى.. أغدا ألقاك

كلما استعدت له سطورًا أندم على ما فاتنى من زمن لم أكن فيه على مقربة منه.. أأسى على سنين انضوت خالية من صداقته.. أحزن على وقت مهدر لم أجلس إليه فيه.. يملؤنى شجن محبط الوقع والإيقاع، لأننى لم أسامره أحاوره أناوره أجادله أجلس قبالته أستعيده وأستعيره وتبرُد أطباقنا مراّت، ولا هو خصّنى يومًا بما كان ينتويه ويشغله.. أخايله جمال الغيطانى بخيال وهمى غابر يتلقى أسئلتى العطشى فيجيبها بسرده الهادئ الثرى، لأسافر على هدى تجلياته لواقع عصىّ وتاريخ ذهبى ورواق فضىّ ونهر قصىّ ولحن شجىّ، وشاعر نسج أبيات الجنون والمجون والفنون، وممالك لمعت فى جبين الكون، وميادين كان لها صولات فى الكرّ والفرّ وصلصة السيوف، ودول فتية انبثقت من أرحام دول ذابلة، فالدول كالأفراد تُولد وتشب وتشيب وتشيخ وتموت، ليتوالى نسل الخلافة الراشدة للأموية والعباسية والسلجوقية والفاطمية والزنكية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، وقادة مغاوير فى معارك شتى بمرج دابق وأجنادين وحطين والقادسية وعين جالوت ونهاوند واليرموك، ورحيق كتب التراث للمؤرخين العظام المسبحى وابن حجر والمقريزى والسخاوى وابن أياس والجبرتى، ومؤلفات الرحالة الأجانب الذين أضافوا أبعادًا جديدة للتراث لبُعد المسافة التى تفصلهم عنه.. ويشرح لى من لم يشرح لى، إلا من خلال سطوره، فلسفات الكيلانى وابن رشد والجاحظ وابن عربى وابن حزم وابن سينا والكندى والفارابى وابن خلدون.. ويزور أماكن تمنيت أن تراها عيناى مثل بيت تشيكوف بموسكو ودستويفسكى بلننجراد ومدينة «عشق آباد» عاصمة تركمانيا، وبخارى، وسمرقند التى أنشأها الاسكندر الأكبر، وكان اسمها أيام الفتح الإسلامى «شمركنت» وأعاد لها تيمورلنك مجدها ليبنى فيها قبره بجوار قبر قاسم بن عباس ابن عم رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم ويعرف باسم «شاه زند» ويعد من أشهر الأماكن المقدسة لدى سكان آسيا الوسطى، ومدينة البترا فى الأردن بمعابدها المحفورة فى الصخور وأضخمها اسمه «خزنة فرعون»..


جمال الغيطانى.. فى تجلياته قال الكثير الذى سيغدو تراثًا لا نظير له..

مضى جمال وأنا على شوق دائم إليه قام بقطع أوصاله المغرضون لا سامحهم اللـه، وكنت قد وددت مرات بدفع فورات سخونة الإعجاب التوجه لأُسمعه طيّات مديح من إعجابى المزمن بقدرته بعلمه بفنه بأدبه بروايته بمقالته بثقافته بموسوعيته بعشقه للتراث، بحميميته للأثر والنقش على الحجر، وأئمةالخلد وصناع التاريخ وأمجاد الأجداد.. ذهب الغيطانى من عايشته على أطراف قارته وليس بيننا سوى جسر من كتب بإهداءات مثلجة: العزيزة والعزيز وصدق المودة وخالص التحيات وتواريخ الإصدار.. و..هزة رأس دونما تعبير لخطوط جبهتها، واتساع شفتين فى تحية لم تكن حاضرة مسبقًا، ولقاء عابر وسط جمع فى رواق إعلامى، وعلى رصيف محطة سفر تُفرّق الخلق فى الجهات الأربع، ومحافل صمت فى تأبين الأحباء الذاهبين سراعًا وصراعًا.. و..عاش نجيب محفوظ ليُشكل بيننا حجر عثرة ومنطقة نزع سلاح دون قوات لحفظ السلام، ومحط صراع للضراير، وساتر جلمود صخر حطّه المغرضون من عل مدجج بعدسات راصدة متربصة، ظلت حريصة على أن يظل كل منا من نجيب خلف الدُشم والفوهات المسددة وأصابع الزناد المتوترة كى لا نتوحد معًا فى ظلال عطائه العادل فنُشيد معًا منصة لأستاذيته طوبة من فضة وطوبة من ذهب.. ولأن لكل أمر مرجعيته فالأمر يعود إلى أنه رغم علاقة الغيطانى بمحفوظ، ومنشؤهما معًا فى حى الجمالية التاريخى، وتلمذته التى أنزلته منزلة شيخه ليجعل من نفسه مريدًا بالغ الإخلاص ليتحول محفوظ عنده إلى «قطب»، وإن كان قد سبقه فى حياة الغيطانى أستاذه الأول العالم الأديب الشيخ أمين الخولى رائدالمنهج التنويرى صاحب المقولة الشهيرة «أول التجديد قتل القديم فهمًا وبحثًا ودراسة» وهو ابن شقيقة سعد زغلول الذى نفى معه إلى جزيرة سيشل فى ثورة ١٩ وكان نجيب قد اختص الغيطانى بسيرته، حيث صرح يومًا بقوله: «فيما يتعلق بسيرتى الذاتية فقد أمليتها على جمال الغيطانى وصدر الكتاب بعنوان (نجيب يتذكر) أما الجانب الفكرى والعقلى فأعطيته إلى رجاء النقاش.. و..من صنوف عدل المحفوظ أن صرح يومًا من قبل نوبل فى جميع الأوساط الأدبية والصحفية من أنه لن يمنح شرف نشر جميع أعماله القادمة إلا لىّ أنا منذ توليت رئاسة مجلة نصف الدنيا فى ١٨ فبراير ١٩٩٠ فأهدانى قصصه الطويلة والقصيرة وأغانيه، ومن بعد الاعتداء الإرهابى الذى أصاب يده أرسل لى بـ«أحلام فترة النقاهة» مكتوبة بخط أصابعه المهتزة وكنت حريصة على استعادتها معه على التليفون ليسكن كل حرف موضعه، وكل كلمة عبر سطرها، أما الفراغات فكانت موضعًا للأخذ والرد والاستدلال والسياق والتفضيل والمراجعة، وكنت أيضًا دقيقة فى نشرها بخط يده وأُرسلها له بجوار نصها بحروف الطباعة لنيل الموافقة الأخيرة كما يُقدّر لها.. وكان الغيطانى على الجانب الآخر متلهفًا لتلك السطور، للأحلام، عبقرية الاختزال نفيسة المعانى قارئة المجتمع، كان يراها من حقوقه الشرعية فى النشر لتزين مجلته الثقافية الرائدة «أخبار الأدب»، لكن نجيب محفوظ كان قد أعطى كلمته التى لا يحيد عنها رغم ملاليم المقابل!


الغيطانى فخر صعيد مصر ابن مدينة جهينة محافظة سوهاج.. فى حياته محطات ومدارس انتهت بمدرسة الفنون والصنائع بالعباسية، وبعدها الفنون التطبيقية لدراسة السجاد الذى كان له تأثير كبير على طريقة تفكيره وأسلوبه الروائى، حيث يعيد نسج وقائع التاريخ القديمة فى أعمال إبداعية جديدة وطرق محكمة.. فى أكتوبر ١٩٦٦ يتم اعتقاله لمدة ٦ أشهر بتهمة الانتماء لتنظيم ماركسى، حيث يتعرض لصنوف التعذيب والحبس الانفرادى، ويطلق سراحه فى مارس ١٩٦٧ ليعمل سكرتير جمعية صناع وفنانى خان الخليلى، ومن بعد صدور كتابه الأول «أوراق شاب عاش منذ ألف عام» فى عام ١٩٦٩ الذى ضم خمس قصص قصيرة يصحبه محمود أمين العالم رئيس تحرير أخبار اليوم ليقوم بمهمة المراسل الحربى حتى عام ٧٦ شاهد فيها وسجل مشاهداته فى ميادين القتال أثناء حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر والجبهة العراقية خلال الحرب مع إيران التى دامت ثمانى سنوات، ومن بعد ١١ عامًا بين الدُشم والأسلاك الشائكة وسيل الرصاص وجنازير الدبابات ودماء الشهداء تتم ترقيته ليغدو رئيسا للقسم الأدبى ثم رئيسا لتحرير كتاب اليوم، وبعدها جريدة أخبار الأدب.


ولأن لكل إنسان مكانًا يعتصم به، يلجأ إليه إذا ضاقت به الحال، ويستعيده فى الغربة، ويرحل إليه بالذاكرة أو بالخطى إذا قصد البحث عن لحظة فرح، والمكان صنو الزمان، لا يمكن أن نستعيد لحظة معينة من ماضينا سواء البعيد أو القريب إلا ونجدها مقترنة بمكان وإطار ومناخ، لا يمكن استعادة لحظة مجردة عن المكان الذى احتواها أو احتوته، ومن هُنا قال القدماء إن الزمان مكان سائل، والمكان زمان متجمد.. ورغم أن مسقط رأس الغيطانى فى الجنوب إلا أنه اعتبر نفسه قاهرى النشأة والتكوين، يُدين للقاهرة القديمة تحديدا بتأسيس عالمه الخاص.. فى حارة درب الطبلاوى المتفرعة من شارع «قصر الشوق» عاش ثلاثين عاما تفتحت فيها عيناه على الأفق المزروع بالمساجد والقباب وظلال الأزمنة المنقضية..السماء..القاهرة حادة الضوء صيفًا، الهادئة والمقطبة شتاء أتاحت للوعى والخيال انطلاقا عبر سطوح مزروعة بالمآذن والقباب، وأينما يُولى الوجه فثمة مسجد نافذة، سبيل، لوحة خط، زخارف، حوائط مشيدة بالحنين وأنفاس الغابرين.. من هنا أتى الغيطانى ذلك الحضور الخاص لتلك الأماكن والأزقة والحوارى والجدران.. خلال تلك الظلال وصنوف الإبداعات الشرقية فى الحجر والخشب والزجاج والنحاس والذهب دخل عالمه السحرى الخاص الذى زاده التصاقًا قربه من مسجد الحسين والجامع الأزهر بما حولهما من مكتبات التراث المنبع الرئيسى لثقافة جمال الغيطانى الذى رحل مع المكان عبر الزمان ليتوقف طويلا عند العصر المملوكى المنتهى فى عام ١٥١٧م ــ ٩٢٢هـ عندما هُزم الجيش المصرى المملوكى فى معركة مرج دابق ولم يعثر على جثة قائده المغوار قنصوة الغورى.. عاش الغيطانى بعثا جديدا فى الزمن المملوكى حيث الحارات والشوارع لم تزل تحمل الأسماء التى ذكرها المقريزى فى موسوعته «التراجم والآثار» وظل يسائل النفس عند كل مدخل مسجد أو قبة أو سبيل مملوكى عن الذين عبروه والذين سيرونه من بعده.. سعى فى شوارع الجمالية والدرب الأحمر وميدان القلعة وحوارى العطوف وأقام أوقاتا طويلة فى مساجد السلطان حسن وقايتباى وبرقوق والحاكم بأمراللـه حتى ظن أنه قد أصبح يعرف حركة الظلال فيها والأصوات التى تتردد عند الظهر وعند العصر، وذلك الشجن الشفيف الذى يلف أوقات ما قبل الغروب، ومن هذا الزخم القاهرى المملوكى صاغ الغيطانى مئات الصفحات.


الغيطانى الصعيدى (1945 - 2015) الذى مكث يدين للقاهرة بنشأته وخبرته وعلمه، ظل نخل الصعيد مرسومًا فى مخيلته لا يتركها حتى النهاية «ما من شجرة تثير عندى الهيبة مثل النخيل، تمنحنى النخلة معنى الثبات، لم أر نخلة تميل مع الريح مهما تكن العاصفة، النخلة أصل المسلة والمسلة إشارة توحيد إلى اللامدى، إلى لب الوجود، ومنها جاء البرج والمئذنة، ورث أبى رحمه اللـه أكثر من مائة نخلة، كان فى طفولتى يصحبنى، دائمًا يده فى يدى، خلال إقامتنا فى جهينة يطوف بى فى كل الأمكنة، فلم يكن نخيله فى مكان واحد، إنما موزعة هنا وهناك، كان يعرف مواضعها. يشير إلى نخلة بعينها، ويقول لى «اعرف مكان عمتك». فى الموروث أن اللـه خلق النخلة من فضلة طين بقيت بعد أن خلق الإنسان، للأسف تاه منى نخيل أبى كله».


من بين مئات الصفحات التى جلس عمره يطرّز سطورها بإبداعات معارفه وثقافاته وجولاته وتجلياته لتظل من بعده تموج بالحياة، وتعيد التاريخ من جديد، والتراث فى دورات حديثة.. من بينها كانت عشرات الروايات والقصص برز منها على السطح رائعته «الزينى بركات» التى صدرت فى عام ١٩٧٤ وجسدت تجربة معاناة القهر البوليسى فى مصر، حيث تدور حول شخصية الزينى الذى يعمل كبيرا للبصاصين فى عهد السلطان الغورى فى أوائل القرن العاشر الهجرى، فى الفترة التى عانى الشعب فيها من سطوة السلطان وصراع الأمراء واحتكار التجار وعيون البصاصين، فجاءت الرواية نموذجًا من نماذج القهر والاستبداد التى تعرض له المصريون، وقد ساهم فى انتشار الرواية تحويلها إلى مسلسل تليفزيونى من بطولة الفنان العبقرى أحمد بدير..
ويكتب الغيطانى روايته «رسالة البصائر فى المصائر» فى عام ١٩٨٨ التى تتطرق للتغيرات الكبيرة التى طرأت على المجتمع العربى نتيجة لتدفق الثروات النفطية، وما حدث فى فترة الانفتاح الاقتصادى، وتغير وتشكل وإعادة تكوين النسيج المصرى لتطرح عدة أسئلة لم نزل ندور فى البحث عن إجابات سديدة لها..!! وتترك روايته «وقائع حارة الزعفرانى» أثرا لا يمحى من الذاكرة رغم أسلوبها الكـلاسيكى المغاير لما اعتدناه فى أدب الغيطانى وفيها يتناول وقائع حارة الزعفرانى على اختلافها واختلاف نوعية ساكنيها عندما تجمعهم كارثة واحدة، وفيها يتجلى الغوص فى حنايا الحارة المصرية ومجتمعها المركب… وتعد رواية «الزويل» إحدى أهم أعمال الغيطانى التى تأخذك بتفاصيلها فى عالم الفانتازيا إلى كثير من المفاجآت الصادمة، حيث تدرك فجأة أن لا شىء مقصود لذاته، ولا شىء مقصود لشىء بعينه، وعليك أنت أن تفك تلك الطلاسم والرموز بنفسك، ومتن الرواية يدور حول قبيلة «الزويل» التى تسكن مكانًا ما على الحدود ما بين مصر والسودان، والتى تخطط لحكم العالم أجمع، لتحمل السطور إسقاطات وعلامات استفهام كبيرة دارت فى رأس المؤلف ونقل إليها توجساته!!


ويتبعها الغيطانى فى مسيرة الفانتازيا بروايته «هاتف المغيب» التى قام بتأليفها بعد الغزو العراقى للكويت لينتقد فيها بعض الأوضاع السياسية بأسلوب قصصى غير مباشر، وتدور حول شاب مصرى يسمع هاتفا غريبا يضطره للـهجرة نحو مغيب الشمس فى رحلة تموج بالعجائب والغرائب والحكم وأخبار الطير والفوضويين وغيرهم.. ومثل جميع سطور الفانتازيا اللامعقولة لدى الغيطانى فإن هناك دائما اسقاطات وآراء مستترة يفهمها القارئ ويُدرك ما وراء السطور العبثية..
وفى روايته «حكايات الخبيئة» يناقش المؤلف ثرىّ العطاء والبحث فى الأغوار تلك التناقضات الموجودة فى أعماق النفس البشرية، حيث يتشابك الواقع والوهم، وتتداخل الرؤى لدرجة انعدام الرؤية عند البعض، وبموهبته الخلاّقة ينفذ الغيطانى إلى أعماق شخصياته.. ينبش عما هو متجذّر، ويعيد الأشياء والشخصيات إلى أحجامها الحقيقية كى لا نراها إلا كما هى فجّة وعادية تتحرك بدوافع من الشهوة والطمع، ولا تترفع عن الأهواء والغايات…. وعلى خط الفانتازيا التى برع فى كتابتها روائيا، ربما لاستطاعة الغيطانى أن يضمها آراءه وتطلعاته وأمانيه وشكاويه دونما مكاشفة صريحة أو لوم من جهات عُليا أو تصنيف سياسى كتب روايته «شطح المدينة» التى تعد نموذجا للفانتازيا الراقية التى تمتزج فيها القضايا العملية الواقعية بالبعد الأسطورى والرمزى من خلال صراع فى عوالم مدينة يقودها مجموعة من البشر غير المرئيين فى إحدى الجامعات العلمية الذين يسيرون الجماد والعباد بطرق لا يتخيلها العقل، والرواية تقع على الحد الفاصل ما بين الواقع والخيال، فهى خيالية لدرجة الحقيقة، وحقيقية لدرجة الخيال.


ستون عامًا من الكتابة والإبداع لم يبخس فيها جمال الغيطانى بحق قرائه، وإذا ما  كان قد كتب طويلا عن الآخرين، فقد قام بكتابة ما يشبه السيرة الذاتية فى روايته «التجليات» خلال ٨٠٠صفحة.. رحلة فى بحور الروحانيات. شخصيات أثرت فيه ولمست كيانه وتعلَّم منها الكثير من الأشياء التى كونت شخصيته ككاتب وكإنسان، يتخيل فيها نفسه روحا تتحدث فى إبداع لغوى وعمق شديد ويمضى الطابع الصوفى بعيدا فى التجليات بأسفاره الثلاثة عبر لغة الكشف والاكتشاف والغوص فى المجهول، والانخراط فى عالم عجائبى، ويتجلى ذلك طوال الرحلة المعراجية الخيالية التى تقود نحو عالم سماوى على شكل رؤيا لا تخلو من سمات الحلم والمشى فى الهواء، وتدفع متعة الحكى المتصوف إلى أن يتحول السارد فيها إلى راوٍ يقوم بقص ما رآه فى منامه، وهى حالة من حالات الوجد الصوفى المعبّر عنه فى التجربة الصوفية بالشطح، ومن هنا تنحو التجليات فى إطارها العام نحو رؤيا صوفية من خلال تشربها بالأسلوب الصوفى بمصطلحاته ومفاهيمه، ولعل أبرزها تجربة «محيى الدين بن عربى» الذى تتجلى بصماته فى نص الغيطانى بشكل بارز فتفيض لغته ونصوصه فى الرواية، بل تكاد تكتسح أجزاءها مما يُنبئ بحضوره الوجدانى فى مخيلة الروائى الذى جاء فى بعض أقواله «كنت أقترب من (الفتوحات المكية) للشيخ ابن عربى، كنت أتطلع إليه دائما وأتساءل عما يمكن أن يحويه هذا الكتاب الضخم، ومن هنا بدأت أقرأه مستعينًا بمؤلفات أخرى لمعاصريه أو مستشرقين للنفاذ إلى أسراره»… لقد حاول الغيطانى أن يستوحى فكرة الرواية وموضوعها من خلال تجربة ابن عربى وخصوصيتها، لكنه ينفى التماثل فيهما مثلما جاء فى قوله «استوحيت الفكرة من ابن عربى، ومازلت مصرًا على أن هذا الابن (التجليات) لا يشبه أباه فى شىء»!!


وكما أثرى الغيطانى المكتبة العربية بأعماله الروائية المتعددة، فقد أضاف إلى ذلك الإبداع الروائى كتاباته فى أدب الرحلات ومنها كتابه «مقاصد الأسفار» حيث يقدّم للقارئ فيه صورا عن أراض لم يزرها من قبل وعن ناس لم يعرفهم، فضلا عما تعكسه الرحلات الحقيقية من تجارب فى الحياة، ومن رغبة فى الخروج من سيطرة المكان الواحد، والرحلة تختلف فى ذهن الروائى عنها فى أذهان الآخرين، فالروائى العاشق للترحال يتوق إلى اكتشاف عوالم الواقع وأبطاله الأحياء تماما كما توقه إلى اكتشاف العوالم المتخيلة فى كتاباته الروائية، وهو يتعامل مع المدن التى يزورها أو يمر بها تعامله مع أبطال رواياته بحنان حينًا وبقسوة حينًا، وفى كتابه «نوافذ النوافذ» إشارة قصيرة لم تكن عابرة بل تختزل تجربته فى كتابة الرحلات فى أقل قدر من الكلمات: «تتداخل صور الأحلام عندى مع الصور المعاينة ويتم عن ذلك أحداث محدودة أمضى بها وأستعيدها فلا يداخلنى شك فى وقوعها»، كان العالم بالنسبة له متحفًا شديد الغنى، ثرى التنوع، يختزن من الأسرار والمشاهد ما يحتاج إلى عيون مُدربة وإلى آذان قادرة على التقاط همس الصخور وموسيقى الأشجار.. تخفى المدن تحت الجلد المصنوع من الحجارة أو الأسمنت أو الطين روحًا تحتاج إلى من يستنطقها ويكتب عما توحى من شعور مطمئن، ومن ليس على دراية بحقيقة ما يكتنز به المكان من سحر وأسرار وما يبعثه من إحساس بالنشوة والتماهى مع الطبيعة فلا يكلّف نفسه متعة الرحيل إلى الآفاق الجديدة..
من رحلته السويسرية يرسّم لوحته بين برن العاصمة السويسرية ومدينة بازل: «الجو ضبابى. يسبح القطار فى بحر من الضباب كاللبن الأبيض يختلط باللون الأخضر للأشجار والأعشاب، وما من شىء فى السفر يثير عندى الحنين مثل عبور القناطر والجسور خصوصا تلك المحتفظة بطابع القدم والعتاقة، الجسر يعنى همزة الوصل بين عالمين، بين ضفتين، يعنى الاستئناف، الاستمرار، المضى إلى الأمام»…


فى رحلته إلى آسيا الوسطى عام ١٩٨٧ زار مدينة «بخارى» وتوجه إلى ضاحية «خرتنك» حيث وقف على ضريح الإمام «البخارى» وقرأ على روحه الفاتحة وبعدها بخمسة أعوام عاد للمدينة ليتذكر أيامه عندما كان طالبا يدرس فنون صناعة ورسم السجاد: «عندما درست فن السجاد، تعلمت أسرار طراز أحببته جدًا، «بخارى» ويمكن التعرف عليه بمجرد الرؤية، إذ تتكون زخارفه من وحدات هندسية مستطيلة داخلها خطوط تقسم كـلا منها إلى أربعة أقسام، بينما يتكون الإطار من وحدات هندسية أيضا، أما الألوان فتنتمى كلها إلى درجات الأحمر الغامق، الياقوتى، البنى القاتم، الأحمر بدرجة أقل، وطرز السجاد تنتمى إلى مناطق جغرافية، أو قبائل، وكل منها يتوارث التصميم ويعتز به، وقد حرصت على زيارة مصنع للسجاد اليدوى فى بخارى لكى أرى الأنامل التى توارثت هذا الطراز وأسراره منذ مئات السنين، وبخارى مدينة تنز بالتاريخ مازالت فيها مساجد منذ القرن الثانى عشر الميلادى مثل مسجد «نمازكاه» الذى لم يتبق منه إلا الجدار الغربى الذى يضم المحراب المزخرف برسوم هندسية، والكتابة المحيطة بالمحراب تكرر مرات كثيرة هاتين الكلمتين «الملك للـه» أما الكتابات المحاطة بالزخارف فتكرر على الحائط الداخلى أسماء الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين»… وفى البرتغال نصحه الصديق المصرى على سماع «الفادو» أشهر غناء تقليدى برتغالى.. إنه الحدو أو الحداء القديم، غناء فيه شجن عميق، فيه شكوى وكبرياء: «الحق أننى أحببت الفادو، لأنه شجى، وبطبعى أميل إلى ما يحوى قدرًا من الشجن، ولكن السبب القوى، لأنه يمت إلى الأجداد الذين سعوا يومًا فى هذه الديار لمدة خمسة قرون عندما خرج فاسكو دى جاما الرحالة مستكشفًا الطريق إلى الهند عبر رأس الرجاء الصالح، وقاده بحار عربى خبير بالمحيط الهندى هو أحمد بن ماجد، لأنه صوت إنسانى حى قادم من الصحارى العربية البعيدة، يؤكد أن الحس الإنسانى الصادق لا يموت أبدًا».


ومطرح ما يروح الغيطانى تجده قد كتب روائعا، وأمام سطوره الموحية أتوقف طويلا لألتقط أنفاسى كما توقف طويلا فى زيارته لبيت تشيكوف فى موسكو عام ١٩٨٧ أمام خط الأديب الروسى العظيم «لكم هو رقيق، خط جميل جدا، مخطوطات القصص تكاد تخلو من الشطب، أواستبدال جملة بأخرى فى الهامش.. من أين كان يستمد شخصياته، أين كان يدوّن ملاحظاته ومقارناته؟ إنه لم يبح ولم يكشف لأحد أبدًا عن دروب إبداعه»، وتوا وإثر استعادتى قراءة تلك السطور ذهبت بدورى إلى كتب الغيطانى فى مكتبتى لأراجع سطور إهداءاته لى فهتفت قائلة: «الخط رقيق وجميل جدًا»..
الخط الذى لابد وأن يكون قد كتب به الغيطانى ما جمعت من بدائع أقواله لأصنع بدورى سجادة بخارى رائعة من ثنيات السطور: لكل أنثى طيبها لا يتشابه شذا إحداهن مع الأخرى… لا خطر طالما مضى، الخطر كله إذا توقفنا… إن التغيير لا يدرك لحظة وقوعه إنما يبدو وتتضح معالمه بعد تمامه.. الوافد من بعيد فى نظر القوم غريب وهم بالنسبة إليه كذلك، فالكافة غرباء… جئنا إلى الدنيا وسنمضى عنها فنحن لسنا بمعمرين، وسنترك آخرين يأملون فى قدوم الأيام السعيدة… ما يجىء فجأة يذهب بغتة، وبقدر معاناة الظهور تكون مدة البقاء، لا شىء يبقى، الثوابت زائلة أيضًا…. ما نرغبه نرهبه، يحل دائما حيث لا نتوقع…. جاوبتها بنظر رقّ فشفّ فدلّ فأفضى… لماذا قد يثير أى شخص قضية التماثيل فى بلد يوجد فيه أكثر من عشرة مؤسسات مملوكة للدولة تدرس النحت، وأكثر من عشرين مؤسسة أخرى تدرس تاريخ الفن.. طوبى لمن لم يكن لديه ما يقول فيصمت… البراءة تشبه مجذومًا أعمى فقد جرسه، يتجول فى العالم ولا يضمر شرًا لأحد… لم يكن رحيلى إلا بحثا عنى، ولم تكن هجرتى إلا منى، وفىّ، وإلىَّ… تعيش الحقيقة فى خضم الخديعة…. كلما ازداد الشخص نقاء، ازداد تعاسة…. إن للـه سيوفا تقطع رقاب الظالمين منها: أخطاؤهم وحماقاتهم…. كل عمل نبيل كان فى البداية مستحيلا… أتمنى أن يصل الدين إلى أهل السياسة، وألا يصل أهل الدين إلى السياسة… تعلمت باكرًا أن الحق لا يُعطى لمن يسكت عنه، وأن على المرء أن يُحدّث بعض الضجيج حتى يحصل عليه… إذا كنت لا تعتقد أنك كبرت فأنت لاتزال بخير ولو هرمت…. لا يعنى القرب التواصل… أصعب الوحدة ما كان بين القوم… قديما قالت لى محبوبة هِمت بها قدرًا، أنت تتكلم حتى لا تتكلم…. لماذا يقوى العزم عند قرب نفاذ الطاقة…. المركب يميل ليعتدل، ويعتدل ليميل ... فراق الحى أصعب من فراق الميت لأن الأمل يندثر بعد حين، أما الحى فيظل التعلق به قائمًا…. للمذاقات الأولى متانة المرجعيات… وإن قلت لك إن هذا الكون بمجمله مكان لأراها فيه فلا ترمنى بالشطط.. لو أعرف للفراق موطنا لسعيت إليه وفارقته… وهكذا الحياة، إقلاع ووصول ثم رحيل آخر…. السائل جاهل، ولكن هل المجيب عالم؟!…. كل طريق حتمًا يؤدى إلى طريق… لا يغير مصير الإنسان إلا امرأة…. من لا اسم له لا حضور له… الظلم كنيران المجوس لا ينطفئ…. تقترن الدهشة واللذة بالبدايات…


وفى الزينى بركات يقول الغيطانى: «الدرس العظيم المستفاد من التاريخ فى حالات اندلاع الفتنة فلابد من حياد البصاص. البصاص يعمل للعدل وحده، ورمز العدل هو كرسى السلطنة ذاته، وفى مدينة الغرباء قال: لماذا حرصت على المجىء مبكرًا؟ لماذا جاء هؤلاء الذين لا أعرفهم قبل الموعد مباشرة، إنه عدم الثقة المترسخة داخلنا، باستمرار نتوقع خللا، ربما لأن المواعيد لا تحترم… وفى مونولوجه الخاص يقول: أسمو إلى زمنى الخاص، أوغل فى ذاتى، انفرد أرحل إلى لحظات موحية فيها ما عشته، ومنها ما أتخيله، وحتى يكتمل ذلك ويتم أحتاج إلى مكان أقص فيه، وأستند بظهرى إلى جدار وأصغى إلى أصداء الحياة اليومية قادمة من بعد سحيق، فتشير إلى ما يجرى ولا تحدده، مساجد القاهرة العظيمة توفّر لى ذلك، أعتصم بها قدرًا من الوقت، ألوذ بالحجر… كم من أوقات أنفقتها لأُدرك البديهيات، ومازلت أتهجى مفردات الأبجدية.!


و..أسائل النفس.. لماذا مع حجم تلك التركة الثقيلة المحملة بالثناء والإعجاب والتقدير والتبجيل والتعظيم التى حملتها دومًا لجمال الغيطانى.. لماذا لم أكتب عنه فى حياته لأنقل له نبض مشاعرى تجاهه.. أنا التى لم يكن لى علم بمرضه وإلا لأزكيت إليه أزكى السلام، وهو الذى عندما استشعر طرقات النهاية كتب سلامه لهديل اليمام، وترنيمة القمرى، والظلال قبل الأصول، ولساعات العصارى وغيوم الشتاء، والسدى واللٌحمة، والعجين عندما يفور، والنهر إذا يسرى، ومقام الصبا، ولأم كلثوم رق الحبيب لرامى والقصبجى وأغدًا ألقاك لشاعر السودان الهادى آدم وعبدالوهاب التى بلغت فيهما الذرا الكونية، وللخبز المصرى الذى تقارب أنواعه الألف، ولكل من سعى بالعلم والحِكمة من أمنحتب إلى نجيب محفوظ، للمن والسلوى…. ألوم النفس وأقرع الضمير وأحزن لضعف بشرى كبّل المداد فى عنق التعبير عن طرف قلم صدق لأكتب الصدق المترجم عن صدق مشاعرى.. ضعف بشرى من بقايا خبص زرعه فى الأذن لئيم البصاصين لكنه كان وكأن شيئا لم يكن عندما توجهت نحو الغيطانى يوم التقينا بمناسبة الإعداد للمتحف الكبير فسألته عن صحة زوجته الكاتبة ماجدة الجندى التى كانت تعالج وقتها فى الولايات المتحدة فوجدته حميميًا ممتنًا وفى عينيه دموع حبيسة يكاد يأخذنى بعيدا عن كل الحضور ليشكو لى وحدى حجم لوعته واغترابه دون نصفه الثانى، وفى المرة الأخيرة قبل رحيله بشهور التقينا فى منزل السفيرة مشيرة خطاب الجامع بانتقاء الخبرة الدبلوماسية الرفيعة لأهل الفِكر والثقافة والسياسة والقلم والفن.. صافحته فأقبل. حادثته فأطال وكأن الشوق بيننا قد بلغ المحال.. تركته اضطرارًا على موعد تمناه قريبا.. لكننا لم نلتق.. والآن نلتقى واحدة هنا وواحد هناك.. ولسوف نلتقى بأمر اللـه وحده نحن الاثنين معًا نستعيد ما فاتنا من الوصال، فليس فى الآخرة بصاصين ولا زينى بركات.. اللـهم إلا بركات ابن يدعو وعلم يُنتفع به..


لمزيد من مقالات سناء البيسى

رابط دائم: