رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الزمن المسكوب والزمن المحسوب

عندما يبدأ الإنسان إدراكه للكون المحيط به فإنه يدرك أول ما يدرك أنه يعيش فى مكان وزمن محدد. وقد أكد فلاسفة العقل أن مقولات الزمن والمكان من أهم المقولات التى يدركها الإنسان بعقله من الصغر؛ وكلما امتد العمر بالإنسان اتسع مفهوما الزمن والمكان، وهو يدرك الزمن التاريخى، ويدرك أزمنة (تواريخ) الشعوب الأخرى، كما يعرف أن حياته هى زمن محدد، ويتعلم أيضًا كيف يحترم زمنه (وقته) وكيف يحافظ على استخدامه لتحقيق أقصى درجات الفائدة. ومثل ذلك يقال عن المكان، وعن كل المقولات التى يدركها الإنسان بعقله، فهى تدرك ثم تصقل بمرور الوقت، وتتسع المدركات بشكل مستمر.

وإذا خصصنا الحديث عن الزمن، يمكن القول إن الإنسان – وكذلك المجتمع - ما هو إلا مشوار زمني. وأن هذا المشوار هو مشوار قصير جداً، إذا وضعناه فى مقابل الزمن الكونى الممتد فى الماضى والمستقبل، والذى لا يعرف الإنسان له حدودا بالضبط. وتدرك المجتمعات الحديثة أهمية الزمن، وتؤكد أهمية استغلال الوقت بشكل أمثل، وعدم إضاعته فى أمور لا طائل من ورائها. وفى ضوء هذا الإدراك لأهمية الزمن، يمكن النظر إلى عمليات استغلال الزمن واستثماره على نحو أفضل على أنها مؤشر مهم من مؤشرات التقدم. فإذا كان الزمن محسوباً ومستغلاً على أكمل وجه، فإن الفرد – وكذلك المجتمع - سوف يحقق درجة عالية من النجاح المهنى، والولوج إلى الدائرة الحقيقية للارتقاء المعرفى والاجتماعى. ويحدث العكس إذا تسرب الزمن من الفرد – وكذلك المجتمع - وأصبح زمنا مسكوباً لا معنى له.

وقد يحق لنا أن نناقش هاتين الرؤيتين للزمن (الزمن المحسوب والزمن المسكوب)، على أصداء مانراه فى مجتمعنا من سلوكيات للأفراد الذين يسرفون فى إضاعة الزمن، وتحويله إلى زمن مسكوب لا جدوى ولا طائل من ورائه، وعلى أصداء ما نراه من أمثلة على حسن استخدام الزمن وحسابه بشكل دقيق. دعونا فى البداية نناقش قضية الزمن المسكوب. ونبدأ بمظاهر انسكاب الزمن. من أول هذه المشاهدات مانراه من مبالغات فى اليقظة والنوم، حيث المبالغة الشديدة فى السهر حتى الصباح، وقضاء معظم اليوم التالى فى النوم حتى بعد الظهر. وقد يضطر الإنسان فى ظروف خاصة أن يفعل ذلك، ولكن الأمر الذى نتحدث عنه يتحول إلى عادة لدى بعض الشباب، بل والأسر. وثمة مظاهر كثيرة أخرى لانسكاب الوقت، مثل الإسراف فى مشاهدة التليفزيون بالساعات، والتجوال عبر مواقع التواصل الاجتماعى دون هدف، والسير بالسيارات والدراجات النارية دون هدف، والتسابق بها فى بعض الأحيان، والجلوس على المقاهى لفترات طويلة دون هدف، وعدم تنظيم أوقات الترفيه وأوقات العمل، والتحايل للانصراف من العمل مبكراً أو الحضور بشكل متأخر، وإنفاق وقت طويل فى تتبع أخبار الآخرين (من الأهل والأصدقاء) وإعادة سردها فيما يعرف فى اللغة العامية (بالنَمْ)، والإسراف الشديد فى المكالمات التليفونية كنوع من التسلية وإضاعة الوقت. وإذا تأملنا هذه المشاهدات وغيرها نجد أن بإمكاننا أن نستغنى عن كثير من السلوكيات التى رصدتها دون خسارة كبيرة وهى تدل دلالة قاطعة على تضييع الوقت فيما لا طائل من ورائه.

وإذا ذهبنا إلى الضفة الأخرى من نهر الحياة نصادف نماذج نيرة للوقت المحسوب. قد نبدأ بأن ننظر فى حياة الكثيرين من أبناء مصر البسطاء الذين يسعون على أرزاقهم منذ الصباح الباكر، فهم يقدمون نموذجاً على الاستخدام الأمثل للزمن دون أن تكون لهم خطة محددة فى ذلك. وينسحب نفس الأمر على كثير من ربات البيوت. إن وقتهن يُستغل إلى اقصى درجة. وقد أكدت دراسة عن توزيع الوقت لدى حالات من هذه الأسر أن المرأة لا تجد فى يومها وقتاً للعناية بذاتها من فرط انشغالها بأداء واجباتها فى البيت والعمل. وعلى نفس المنوال يمكن أن نجد نماذج بارقة للاستخدام الأمثل للوقت لدى بعض رجال الأعمال وأصحاب المهن المتخصصة والأدباء والمفكرين.

وقد نستخلص من المقارنة بين مواقف الانسكاب ومواقف الحساب فى التعامل مع الزمن دلالة مهمة ترتبط بنمط التغير فى مجتمعاتنا العربية. تدل النماذج التى قدمت على انسكاب الوقت على أن جلها نماذج معاصرة تخلقت فى الزمن المعاصر، فى حين أن النماذج الدالة على حساب الوقت تبدو وكأنها نماذج قارة مرتبطة بالمجتمع التقليدى، وأن المعاصر منها يمكن اعتباره امتداداً لنموذج العمل والكفاح فى المجتمع التقليدى. والدلالة الأكبر فى المقارنة أن المجتمع يتطور نحو مزيد من الانسكاب، وأن الخطر الأعظم هو أن يتمدد هذا الانسكاب نحو الدوائر التى أشرنا إليها والتى تعطينا نماذج حية وبارقة على حسن استخدام الوقت وحسابه. ولا يخفى على أحد إمكانية أن ترتبط عمليات الإهدار الشديد للوقت مع أشكال أخرى من التراجع فى البناء المهنى والأخلاقى. من ذلك مثلاً الاتجاه نحو طغيان ثقافة المادة وما يرتبط بها من انتشار للقيم المادية، وامكانية أن ينعكس ذلك على قيمة العمل، فيصبح إهدار الوقت دالا على إهدار قيمة العمل، والعكس صحيح أيضاً. وليس هناك من شك فى أن هناك علاقة وثيقة بين إهدار الوقت، واهدار قيمة العمل، والتراجع فى الأداء المهنى وفى الكفاءة المهنية (تحضرنى هنا حالة استاذ الجامعة الذى يعتبر حصوله على الدكتوراه أو حتى الأستاذية هو قمة المجد العلمى). وليس هناك من شك فى أن كل هذه العلاقات ترتبط بامكانية حدوث تدهور فى عموم الأخلاقيات المهنية.

وبعد ... فقد منحتنا التكنولوجيا الحديثة أساليب كثيرة لضبط الوقت والتحكم فيه، ولكن بعض الشواهد التى أمامنا تدلنا على أن الإنسان القديم ربما كان يحسب وقته بطريقة أكثر رشداً رغم عدم تملكه لهذه التكنولوجيا. ولا أظن أن هذه الفرضية تعكس حنيناً إلى الماضى، ولكنها دالة على الطريقة التى ندخل بها إلى العالم الحديث والتى تجعل البعض منا يسكب أوقاته فى مقابل ملذات سريعة تجعل الحياة تتسرب من بين أنامله دون أن يحقق شيئاً ذا بال.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: