لكاتب الدراما المبدع، عبد الرحيم كمال، فى مسلسل جزيرة غمام، واحد من أروع المشاهد التى عرفها تاريخ الدراما المصرية. المشهد حوار بين مدرس ضيق الأفق متزمت مُعقّد، وتلميذ كالقمر ليلة تمامه. يصرخ المعقد فى وجه الملاك الصغير: اقرأ يا جحش، فيرد الصغير: أنا أحلى واحد فى الدنيا/ أنا أهم واحد فى الدنيا/ أنا أغنى واحد فى الدنيا. صَدِّق أو لا تُصدِّق، نحن إن آمَنّا بما نطق به هذا الصغير، لوجدنا سعادتنا الأبدية، وفردوسنا المفقود، فى هذا الوجود.
إنك - لو أنك آمنْتَ بأنك الأجمل من بين مخلوقات الله - فلسوف تربأ بنفسك عن الاقتراب من أى قبيح، أو كريه، أو مُنكَر، فى كون الله الفسيح. وأنت ساعتها ستسعى إلى تجميل كل شيء فيك: صوتك/ نظراتك/ همساتك/ كلماتك/ أكْلك/ لِبسك/ .. وابتساماتك.. ألم يقُلْ إيليا أبو ماضي: .. والذى نفسُه بغير جمال/ لا يرى فى الوجود شيئًا جميلا؟
وأيضًا، ولأنك أهم حاجة فى الدنيا، فمن الواجب عليك ألا تسمح لسفاسف الأشياء وأتفهها، بامتلاكك، وزعزعتك، ولخبطة كيانك. وعلى سبيل المثال، إذا أنت انقطعت عنك الكهرباء، لساعة أو ساعتين، أو حتى ثلاث، (وحتمًا سوف تنقطعُ!) ، فما المشكلة؟.. يا سيدى نورك كفاية. ستجادل: وماذا أفعل مع الحرارة التى تكاد تشوى الوجوه؟ الحل بسيط، اهمس لنفسك: أنا أحلى شيء فى الكون!
..ثم ماذا لو أنك صحوتَ الصبح فارتفعت بك الأسعارُ فباتت هى وحرارة الطقس سواء؟.. طيب ما المشكلة؟ يا عم تَحَمَّلْ/ تجلَّدْ/ انشَف/ واخشوشَنْ، فإن النعمة يا حبيبى لا تدوم. كيف تسمح لكرامتك أن تهتز ثقتك بنفسك وأنت أنت أقوى شيء فى الكون؟ .. ماذا فيها يعنى لو ارتفع سعر زجاجة زيت، أو كيلو سكر، أو كيس أرز.. أو حتى سعر فرخة؟ هل ستقف عند الفرخة وأنت أجمل شيء فى الكون؟.. يا باشا نحن إنما نأكل لنعيش، ولسنا نعيش لنأكل.
وعلاوة على ذلك، فإن من البدهى أن أجمل الكائنات، وأهمها، وأقواها، لا يصِحُ، ولا ينبغى له، أن يصير عبدًا لمشاعره البدائية الصبيانة المتوحشة اللامتحضرة، كالغضب، والنرفزة، والتوتر، والقلق. صحيح أن هناك مشكلات يومية تنهال على رأسك كالمطر الحمضي، لكن متى كان الجبل يهتز لعاصفةٍ ولو اشتدت؟ قُم يا باشا قاوم توترك ونرفزتك، فأنت الأقوي، وأنت الأهم، وأنت الأجمل!
ستقول: طيب.. ها هو الصيف قد هجم هجمته الكبري، بسخونته، ورعونته، وغشوميته المعهودة، أفلا يحق لى أن تهفو إلى (حِتِّة) مصيف، أُغرق فيه همومي، وهموم العيال، وأم العيال؟ ..حقك طبعًا، لكن من قال إن مصيفك يجب أن يكون المراسي، أو الجونة، أو الساحل الشرير؟ .. مالها البالكونة؟ أو السطوح، أو حتى الترعة، وبالمناسبة تشوف بلدنا وهِيَّ عَ الترعة بتغسل شعرها (على رأى الأبنودي)!
.. وكذلك، ألا يُحتم عليك كونك أقوى شيء فى الدنيا، أن تخجل من نفسك وأنت تكذب، أو تغش، أو تخون، أو تظلم؟ عيب عليك، راجع نفسك يا معلم قبل فوات الأوان. وطبعا، وبالمناسبة، وما دُمتَ سيادتك أجمل كائنات الكون فإن عليك أن تبدى بعض الامتنان، والشكر، والتبجيل، لخالقك تعالي، الذى خلقك.. وخلق الكون.
ويبقى أن الأهم أن نرفض منطق هذا المدرس المتزمت، الذى رأى فى الطفل الصغير البريء الجميل، مجرد جحش، بل أقل من الجحش، بحجة أن الجحش يحمل البرسيم من الغيط إلى الحقل دون إرشاد من أحد.. فهيا اصرخ فى وجهه، ووجوه أمثاله: اصمت يا هذا.. فقد خلقنى خالقى سبحانه أجمل شىء فى الكون.
لمزيد من مقالات سمير الشحات رابط دائم: