رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

البشرية من «الجليد» إلى «الغليان»

الأمين العام للأمم المتحدة حذر العالم من بدء عصر الغليان، عصر ترتفع فيه درجات حرارة الأرض والمحيطات إلى مستوى لا يمكن السيطرة عليه، ما يسبب ظواهر مناخية قاسية على الحياة بشكل عام. التحذير جاء مصحوبا أو ربما نتيجة ظواهر ارتفاع الحرارة فى مناطق مختلفة من العالم كالذى تعيشها البشرية حاليا، وما يصاحبها من تداعيات كالحرائق والعواصف العاتية والفيضانات الهائلة، والتى تحول حياة الإنسان إلى مستوى من الجحيم لم يحدث من قبل.

تحذير جوتيريتش تضمن رسالة أو لنقل تنبيها للبلدان المتقدمة الأكثر تسببا لارتفاع درجة حرارة الأرض بأن عليها أن تتحرك بأسرع ما يمكن لتفعيل الالتزامات التى صدقت عليها فى اتفاقيات ومواثيق أممية، وأبرزها اتفاقيتا كيوتو وباريس لمواجهة التغير المناخى. وأبرز ما فيهما الالتزام بخفض الانبعاثات الكربونية المسئولة عن ارتفاع درجة الأرض، أو ما يعرف بالاحتباس الحرارى، إلى ما دون الدرجة والنصف. وهو التزام يتطلب القيام يتغييرات هيكلية كبرى فى نمط الصناعة، والتخلى عن الوقود الاحفورى تدريجيا حتى 2040 بالنسبة للدول المتقدمة صناعيا و2050 للدول النامية. فضلا عن التزام الدول الصناعية بتقديم مساعدات تقنية للدول النامية تستهدف خفض انبعاثات غاز ثانى اوكسيد الكربون والتحول إلى الاقتصاد الأخضر الأقل تسببا فى تلك الانبعاثات.

فرغم توقيع العدد الأكبر من دول العالم معاهدة باريس لمكافحة التغير المناخى، ومن بينها الدول الكبرى اقتصاديا، فإن الأخيرة لم تتخذ ما يكفى من الإجراءات لتحقيق ما التزمت به للحفاظ على درجة حرارة الأرض وفق المعدلات المستهدفة. ورغم أن المشكلة تتعلق أساسا بالحفاظ على استمرارية الحياة على الأرض، إلا أن تسييس الالتزامات والنظر إليها من منظور جزئى عقيم وأنانى، أدى إلى تراجع تبنى السياسات التنفيذية المتفق عليها. وجاء انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق كيوتو بقرار من الرئيس بوش الابن 2001، ثم انسحاب واشنطن أيضا من معاهدة باريس، فى عهد الرئيس ترامب 2016، وكلاهما جمهوريان، اعتبرا الالتزمات الواردة فى المعاهدتين معيبة، وموجهة بالأساس إلى إضعاف الاقتصاد الأمريكى لصالح الاقتصاد الصينى، وأن الانسحاب منهما سوف يحافظ على قوة الاقتصاد الأمريكى، بغض النظر عن التأثيرات المحتملة على الحياة البشرية ككل، بما فى ذلك حياة الأمريكيين أنفسهم.

تسييس الالتزامات الأممية الخاصة بالسيطرة على الاحتباس الحرارى وفقا للسلوك الأمريكى، قاد بالفعل إلى إضعاف الالتزام الدولى ككل بجميع الالتزامات الواردة فى معاهدة باريس، إذ تراجعت الصين عن اتخاذ الخطوات التى تعهدت بها للتخلى التدريجى عن استخدام الوقود الأحفورى، وكذلك فعلت دول أوروبا والهند، وهى الدول الأكثر انتاجا لغاز ثانى اوكسيد الكربون، كما لم تلتزم الدول الغنية بمساعدة الدول النامية لاسيما فى إفريقيا وآسيا لجعل اقتصاداتها اكثر اعتمادا على مصادر الطاقة النظيفة.

التسييس لأغراض ذاتية قصيرة النظر، يعيد التذكير بتاريخ طويل من التشكيك فى ظاهرة الاحتباس الحرارى، والصراع بين علماء شرفاء سعوا إلى إثبات مسئولية النشاط البشرى فى مجال الصناعة تحديدا عن ارتفاع نسب غاز ثانى أوكسيد الكربون وارتفاع درجة حرارة الأرض معا، وبين علماء وممثلى شركات صناعية كبرى سعوا إلى إنكار وجود تلك الظاهرة أصلا، ورفضوا التحليلات العلمية التى بنُيت على رصد درجات حرارة الأرض لعقود طويلة سابقة، ووصفوا نتائج الدراسات العلمية بالمبالغة. إلى أن أنشئت اللجنة الحكومية الدولية للتغير المناخى برعاية الأمم المتحد 1989، والُمكونة من علماء المناخ فى دول العالم المختلفة. وخلال تقاريرها التى أصدرتها على مدى 33 عاما، والنماذج التى توصلت إليها، فقد تأكد مسئولية النشاط الصناعى المعتمد على الوقود الاحفورى فى حدوث ظاهرة الاحتباس الحرارى، كما توقعت العديد من التداعيات الحادة على مفهوم الحياة فى الكرة الارضية، برا وبحرا وجوا، وكلها تصب فى توقع حدوث تغيرات حادة فى درجات الحرارة وقوة الأعاصير والفيضانات، ومعدلات ذوبان الجليد فى القطبين الشمالى والجنوبى، وارتفاع مستوى البحار، واختفاء العديد من الجزر البحرية والمدن المطلة على الشواطئ، وزيادة معدلات التصحر، وتغير أنماط الزراعة.

ووفقا للدراسات الحديثة فقد تم رصد تغير أنماط التيارات البحرية فى المحيط الأطلسى، وهى المسئولة عن حركة المد والجزر فى شمال الكرة الأرضية، وضبط حركة المياه الدافئة، ومسارات الأسماك والمخلوقات البحرية، ما يؤكد أن التغيرات فى البحار ستؤثر على الدول التى تعتمد فى اقتصادها على الثروة السمكية، ومن ثم على الوضع الغذائى العالمى.

وبالرغم من أن البيت الابيض مع تولى الرئيس بايدن قرر العودة إلى معاهدة باريس، فما زال العالم عاجزا عن تحويل الالتزامات الى سياسات عملية. وما زال الصراع الأمريكى الصينى يؤثر فى تحويل تعهدات اتفاقية باريس والالتزامات التى أعلن عنها فى مؤتمرات المناخ الدولية التى عقدت فى السنوات الثلاث الماضية، وآخرها مؤتمر المناخ " كوب 27" الذى عقد فى شرم الشيخ نوفمبر الماضى، إلى واقع عملى يساعد فى حماية البشرية.

استمرار تجاهل القوى الصناعية الكبرى لسياسات الحد من الانبعاثات الكربونية يؤدى إلى تفاقم المشكلة ويُصعّب من إجراءات السيطرة عليها، وما يعيشه العالم بأسره من ارتفاع غير مسبوق لدرجات الحرارة لفترات طويلة، تؤثر على الامن الغذانى العالمى، وعلى الصحة العامة دوليا، وترفع من احتمالات اختفاء العديد من المدن الساحلية، وتتسبب فى مقتل الآلاف من البشر، تجعل البشرية ككل فى اختبار وجودى لم يسبق له مثيل، سوى مراحل التحول من العصور الجليدية السحيقة إلى العصور الدافئة، والآن مقدمات عصر الغليان بكل ما يحمله من مآس وكوارث.


لمزيد من مقالات د. حسن أبوطالب

رابط دائم: