رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

وماذا عن سبيكة الهوية نفسها؟ «4»

أسعد كثيرًا بالتعليق على ما أكتب، وتكون السعادة غامرة عندما يأتى التعليق من أساتذتى الكبار، وعلى رأسهم أستاذى الدكتور محمد الجوهرى، أطال الله فى عمره, فقراءته لمقالاتى تعطينى زادًا لا ينضب، يمكننى من أن أطور أفكارى واعاود النظر فيها، فضلاً عن الشحنة الوجدانية التى نحتاجها جميعًا لكى نواصل العيش. كان تعليقه ثاقباً عندما أشار إلى أهمية أن نتعمق فى سبيكة الهوية ذاتها ونحن نحاول أن نستجلى ما لحق بها غبار عبر الزمن‪،‬ وقدم أمثلة ثاقبة على ما تتضمنه بنية المجتمع من معتقدات خرافية وأسطورية تستمر عبر الزمن دون أن تمحوها قوى التعليم والحداثة. ولقد تأملت الموقف مليًا، ووجدت أن عين الأستاذ قد لمست صلب الموضوع، وأننا بحاجة فعلاً إلى أن نتعمق فى ذواتنا، وأن ننظر فى دواخلنا، فظروف الزمن قد تأتى بغبار شديد يتكاثف حول سبيكة الهوية، ولكن السبيكة نفسها تحتاج إلى أن تتخلص من عناصرها المقيدة، التى قد تمنعها من أن تنطلق لتحلق فى آفاق عالم غامض ملىء بالمشكلات والتحديات. فماذا عسى أن تكون تلك العناصر المقيدة؟ هذا ما سنحاول المجادلة حوله فى هذا المقال. وسوف ينصب الحديث على موضوعين، الأول يرتبط بالتطور التاريخى لبنية المجتمع المصرى فى علاقته بالحضارات المختلفة، والثانى يرتبط بتشابكه الحديث مع عالم الحداثة والمعاصرة.

ونبحث فى البداية فى الطريقة التى تكونت بها سبيكة الهوية. لقد تكونت سبيكة الهوية عبر مراحل تاريخية مختلفة، تباينت فيما بينها فى الأهداف وفى بعض العناصر المهمة فى تكوين الهوية خاصة اللغة والدين. وغالباً ما يقال إن مصر قد استطاعت عبر التاريخ أن تستوعب كل التغيرات وأن تصهرها فى سبيكة واحدة لتكون هويتها المتفردة. ونحن لا نرفض هذا الرأى، بل إنه كان عنصرًا إيجابيًا فى بناء التفرد المصري. فقد أوجد قدرًا من التماسك الاجتماعى فى بناء المجتمع، كما أدى إلى أن تكون الشخصية المصرية على درجة عالية من المرونة فى تقبل الجديد والانصهار فيه.

ولكن لا يجب أن نفترض أبدًا أن هذا الانصهار كان كاملاً إلى أبعد الحدود. فقد احتفظ المصريون بالكثير من السمات التى ورثوها من العصر الفرعونى، وأضافوا عليها بعض السمات التى دخلت عليهم من ثقافات متتالية. لقد استمرت كثير من العادات والمعتقدات الفرعونية القديمة، المرتبطة بالعلاقة بالعالم الآخر وطقوس الموت، والكثير من المعتقدات المرتبطة بتقديس الموتى، والاعتقاد فى العين الشريرة، وفى الكائنات فوق الطبيعية؛ ولقد عملت بعض الثقافات التى دخلت على الثقافة المصرية على الابقاء على هذه المعتقدات، ودعمت وجودها، ولذلك فقد درج المصريون العاديون فى الحياة اليومية على تفسير النصوص الدينية (المسيحية والإسلامية على حد سواء) فى ضوء ما ورثوه من ثقافة قديمة، فأبقوا على كثير منها، بل إنهم عملوا على تطوير نوع من التدين الشعبى هو مزيج من الدين الرسمى والمعتقدات الموروثة من العالم القديم. ولم يقتصر هذا التمازج على الانصهار بين عالم الخرافة وعالم التدين فقط، بل تعداه إلى بعض العادات والتقاليد. فمن المعروف أن المجتمع المصرى القديم كان يقوم على تدرجية صارمة بين فئات مختلفة (الملوك - الآلهة – الكهنة – العاملون المقربون إلى الحكام – عامة الفلاحين والصناع). ولقد تدعمت هذه التدرجية عبر الزمن وأصبحت إحدى السمات التى يحبها المصري. لم يكتسب المصريون من اليونان نظرتهم التعددية، ويبدو أنهم قد ظلوا فى نطاق مدينة الإسكندر، ولم يؤثروا كثيرًا فى المجتمع المصرى ككل. أما الرومان والعرب فقد أكدوا هذه السمة التى تتوافق كثيرًا مع نظرة احادية للكون (الرومان بما تحمل ثقافتهم من صرامة وكبرياء، والعرب بما تحمل ثقافتهم من عصبية وقبلية وثأر). ونخلص من ذلك كله إلى أن التمازج التاريخى مع الثقافات المختلفة يحمل ديناميات داخلية كثيرة جعلت سبيكة الهوية تتشكل على نحو معين.

وعلى نفس المنوال نستطيع أن ننظر فى الطريقة التى دخلت بها مصر إلى آتون الثقافة الحديثة. لقد استفادت من هذه الثقافة جل الاستفادة، فنشرت التعليم، وشيدت النظم القانونية الحديثة، ودخلت إلى عالم التكنولوجيا، واكتسبت كثيراً من أساليب الحياة الحديثة فى العمارة والإنتاج والاستهلاك. وأصبح المجتمع حديثًا بدرجة كبيرة. وتشكلت الهوية الثقافية عبر ضرب جديد من التمازج والانصهار. ولكن توجد هنا ديناميات داخلية مهمة يجب أن نلتفت إليها. فكما حدث فى حالة الانصهار القديم، احتفظ الشعب بالكثير من عاداته وتقاليده ومعتقداته، الإيجابى منها والسلبى، وظل يتعايش مع ثقافتين: إحداهما الثقافة التقليدية القديمة، بما فيها من ضروب الخرافة والتفكير الأسطورى، والثانية هى الثقافة الحدثية. تظهر الثقافة الحديثة فى السلوك الظاهر، وفى الأقوال العامة، ولكنها ظلت تخفى خلفها ثقافة تقليدية كامنة هى التى تحدد الاختيارات، وهى الأصل المنشئ للسلوك. ولقد تخللت هذه الثقافة فى داخل المؤسسات الحديثة، فنجد مجليات لجوانب كثيرة من الثقافة التقليدية التى قد تتنافى مع متطلبات الحداثة (مثل القبلية والشللية والعداوة ونبذ قيم المساواة، بل والتفكير الخرافى وأشكال جديدة للتدين تشبه إلى حد كبير التدين الشعبى الذى تطور عبر الاحتكاك بالثقافات قبل الحديثة). الأمر هنا يتشابه إلى حد كبير مع ما حدث من قبل، تمسك صارم بعادات ومعتقدات قد لا تكون مفيدة فى عمليات التنمية والتقدم، والعمل على تغذيتها وإعادة إنتاجها من خلال أشكال التمازج والانصهار (قديمة وحديثة). وهنا يكون السؤال حول سبيكة الهوية نفسها سؤالاً على نفس قدر أهمية السؤال حول الغبار الذى أصابها عبر التاريخ.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: