رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لماذا الخوف على سبيكة الهوية؟ «3»

نسوق فى هذا المقال حديثًا أخيرًا حول مؤثرات نظام العولمة المعاصر على الهوية الثقافية. لقد مر العالم بفترات مختلفة من تاريخه، وانتهى إلى عصر العولمة. ولقد تشكل هذا العصر عبر فترات من التحول بدأت بالكشوف الجغرافية، ومرت بأشكال مختلفة من الاستعمار ونشر قيم الرأسمالية ونظمها الاقتصادية، حتى وصل إلى الحقبة المعاصرة التى أدت إلى انضغاط العالم عبر تفكيك علاقات الزمان والمكان؛ وسيطرة نظم الاتصال الحديث بما شهدته من تطور هائل أدى إلى تحويل المجتمعات المعاصرة إلى مجتمعات شبكية لا مكان فيها منعزلًا أو بعيدًا؛ وتطور شبكات الإنتاج والاستثمار والاستهلاك، وسهولة تدفقات رؤوس الأموال والسلع والخدمات والأفكار والأيديولوجيات والتكنولوجيا. لقد تطورت العولمة نحو صياغة قوى عاتية لضم العالم وضغطه من أجل أن يسود فيه نظام اقتصادى واحد، وتتعدد فيه الثقافات. ولذلك فمن الخطأ أن نفهم العولمة على أنها تحول العالم إلى قرية صغيرة فقط، إنها تفعل ذلك حقًا، ولكنها تحوله فى ذات الوقت إلى قرية تشهد أشكالاً مختلفة من الصراع والعراك الدائم حول الهوية والثقافة والدين، وهو عراك تنتجه الثقافات المحلية التى تحاول العولمة أن تضغطها أو تمحوها أو تغيرها فى وجهات معينة. ولذلك يمكن القول إن العولمة توحد العالم من أعلى، من أبنيته الاقتصادية والإنتاجية والاستهلاكية، ولكنها تفككه من أسفل. أنها تعتمد آليتين: آلية التكامل التى تعمل على توحيد القوانين الاقتصادية، وتخليق تشريعات إقليمية وكونية تؤطر للاندماج، وآلية التفكيك التى تعمل بقوة فى أطراف العالم حيث تخف رقابة الدولة، وحيث تسهم بعض النظم السياسية فى عدم الالتزام بالقواعد.

ولقد أدى هذا الظرف إلى النظر إلى مشروع العولمة المعاصرة لا على أنه خير كامل، بل على أنه مشروع يحمل فى طياته بذورًا لنمو الفردية والانقسام والبحث عن الحدود الثقافية الضيقة، ولنمو النزاعات المتطرفة التى تدافع عن الثقافات المحلية التى تندثر تحت سيطرة الذراع المعولمة للرأسمالية، ونمو الصراعات السياسية التى تأخذ فى كثير من الأحيان طابعًا مسلحًا، وهى صراعات تنتشر الآن فى أماكن مختلفة من العالم وتكاد تدفع العالم إلى شفا حرب عالمية ثالثة. ليس غريبًا إذن أن توصف الحقبة المعاصرة من العولمة بأوصاف لا تشى بأى نوع من الإيجابية قدر تعبيرها عن القلق من مدى التطور فى هذا الاتجاه وعمق هذا التطور. لقد جاءت هذه الفترة التاريخية المهمة من تاريخ البشرية، والتى عرفت بعصر العولمة، جاءت بخير كثير، خاصة فى مجال الاكتشافات التكنولوجية ووسائل الاتصال، ولكنها تركت آثارًا تفكيكية على الهويات الثقافية للمجتمعات. ونستطيع أن نرصد هذه الآثار فى كثير من مظاهر حياتنا المعاصرة. فهناك أولاً التأثير التفكيكى للعولمة الذى أشرنا إليه، والذى يؤدى إلى التأثير على النسيج الكلى للمجتمعات، فتفقد تماسكها الداخلي، ويحدث بين أهلها قدر كبير من التباعد يمكن رصده فى الاختلافات فى أساليب الحياة، وفى درجة الانفتاح على العالم، وفى تعدد وتضارب الأهواء والتطلعات، والنمو الشديد للنزعات الفردية، وأشكال التباعد الاجتماعى التى تأخذ أبعاداً مكانية وطبقية، وانخفاض معدلات الثقة العمومية، وتآكل أرصدة رأس المال الاجتماعي. وإزاء ذلك كله لم يعد لمفهوم الرابطة الاجتماعية من معنى، بل إن الروابط الصلبة فى الحياة الاجتماعية، مثل الأسرة، وجماعات الجيرة، والمجتمعات المحلية الصغيرة، قد أصابها جميعاً بعض التفكك، ولم تعد لها أهمية اجتماعية مثلما كانت فى الماضي. وفى الوقت الذى تحدث فيه كل صور التفكك تلك، تشهد المجتمعات صورا ثانية من صور التفكيك تتمثل فى اللجوء إلى الملاذات الضيقة، مثل القبيلة والعرق والدين. ثمة ميل فى كل المجتمعات، على درجات متفاوتة فيما بينها، إلى الدفاع عن الحدود الضيقة فى مقابل الحدود الكبرى للوطن؛ مما يؤدى إلى ظهور أشكال من التنافس والصراع، وفى بعض الأحيان أشكال من الوصاية والسيطرة وفرض الإرادة الخاصة على الإرادة العامة (يحدث ذلك فى الحركات الأصولية ذات النزعات الإرهابية التى تتخذ من الدين وسيلة لتحقيق أهداف سياسية وفرض الوصاية على المجتمع). وفى كل الأحوال فإن عمق اللجوء إلى الملاذات الضيقة يكون له تأثير كبير على الهوية الثقافية، حيث يتم استبدال الهوية القبلية أو الإقليمية أو الدينية بالهوية الثقافية الكلية، فيوضع الوطن فى مكانة ثانوية فى مقابل أولوية القبيلة أو العرق أو الانتماء الديني.

وعلى المستوى الثالث نجد أن العولمة تنتج فرصا كبيرة لاستخدام التكنولوجيا. ورغم الفوائد الكثيرة التى تعود على المجتمعات من الإبداعات التكنولوجية المختلفة، إلا أن تأثيراتها كبيرة على ثقافة الشعوب والعلاقات بين الأفراد والجماعات. فمن ناحية يؤدى استخدام تكنولوجيا الاتصال الرقمى إلى فجوات فى الاتصال الشخصي، وخلق عادات لاستخدام التكنولوجيا الرقمية تؤدى إلى فصل الأفراد عن أسرهم ومجتمعاتهم المحلية. حينئذ تصبح العلاقة مع الأجهزة المرقمنة، ومن ثم العالم الرقمي، أكثر قوة من العلاقات الواقعية، وتحل الهويات الرقمية محل الهويات الواقعية، فتفقد تلك الأخيرة أهميتها إزاء التعلق بالهويات الرقمية. ومن ناحية أخرى فإن التكنولوجيا الرقمية تفتح الآفاق نحو حرية مطلقة للأفراد للتفاعل عبر شبكات التواصل الاجتماعي. ويعد هذا الانفتاح أشد خطراً على الهوية الثقافية من أى تأثير آخر. ذلك أن الحرية المطلقة والتدفقات الهائلة التى يتعرض لها الأفراد يكون لها آثار سلبية قاتلة فى بعض الأحيان. إنها تفتح أمام الشباب طموحات عليا غير متحققة على أرض الواقع، وتدخلهم إلى دوائر من السلوك لا تخلو من الانحراف، وتعمل على تأطير عقولهم ووجدانهم على نحو يفصلهم عن مجتمعاتهم وتاريخهم وثقافتهم. وهنا لا تكون الهوية الثقافية فى خطر فقط، بل المجتمع برمته. وقد تكون فى هذه الملاحظة الأخيرة إشارة إلى الخطر الأعظم الذى يأتى بغبار كثيف على سبيكة الهوية.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: