رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لماذا الخوف على سبيكة الهوية «2»

بدأنا فى المقال السابق مجادلة حول التفاعلات التاريخية التى تشكلت منها هوية مصر الحديثة، بهدف البحث عن طبيعة الغبار الذى يلحق بسبيكة الهوية، وقدرة هذه السبيكة على استجلاء بعض البريق وهى تجلو عن سطحها هذا الغبار. وقد أشرنا فى المقال السابق إلى مشهدين من مشاهد الغبار الذى لحق بالهوية الحديثة بعد الغبار الكبير الذى ألحقه بها الاستعمار. الأول يتعلق بما أصاب الهوية من صدأ عدم العدالة الذى فرضه نخبة كبار الملاك بالتحالف من سلطة القصر من ناحية والاستعمار من ناحية أخرى؛ والثانى ظهور جرثومة الاستخدام السياسى للدين كما تمثل فى ظهور جماعة الإخوان المسلمين فى نهاية العقد الثالث من القرن العشرين. لقد أدت ظروف المشهدين إلى حجب البريق الحداثى الذى كاد يطل بوجهه على مصر فى العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، والذى جسدته مجليات عديدة كإنشاء الجامعة والأحزاب والصحف، وكتابات قاسم أمين وطه حسين وعلى عبدالرازق، وتأسيس الدستور بعد ثورة الشعب المجيدة فى ١٩١٩ والانطلاق نحو النهضة الاقتصادية بإنشاء بنك مصر وشركاته المختلفة. ونقف فى هذا المقال أمام حقبة 1952 وما بعدها لكى نعرف ماذا أضافت إلى سبيكة الهوية وماذا نفضت عليها من غبار. لقد استقبل الشعب ثورة 1952 استقبالاً حارا، ونجح رجال الثورة فى كسر جمود منظومة عدم العدالة، فكانت الاصلاحات الثورية فى إعادة توزيع الملكية الزراعية، والتوسع الكبير فى التعليم، وفتحه أمام فئات كانت محرومة منه، والتوسع بشكل أقل فى خدمات الصحة والحماية الاجتماعية. ولقد أدت الممارسة السياسية الثورية المضادة للاستعمار وما صاحبها من تعبئة سياسية للجماهير (التى أطلق عليها قوى الشعب العامل) أدت إلى تعميق الفكر القومى الذى ارتبط بالدعوة إلى الوحدة العربية، وتكوين كتلة عدم الانحياز، والوقوف بشكل قوى ضد الفكر الاستعمارى والامبريالية العالمية. ولقد أدى كل ذلك بجانب التأثير الشخصى لقائد الثورة إلى نفض بعض الغبار عن سبيكة الهوية، وأكسبها بعض البريق والقوة. فقد شهدت الحقبة تأييدا جماهيريا كبيرا، كما تمدد الصوت المصرى عبر الإقليم العربى، وأصبح صوت العرب هو إذاعة العرب المفضلة، وصوت أم كلثوم وعبدالحليم هو التعبير الفنى عن الحلم العربي. ولكن كل هذه الانجازات تكسرت وتفتت على أعتاب بعض الغبار الذى جاء من الداخل والخارج ليضع الهوية من جديد فى أتون مقاومة الصدأ. نستطيع هنا أن نشير إلى بعض العثرات, فلم تستطع قوى التغيير أن تتجاوز حركة الإصلاح الزراعى وفتح قنوات الحراك عبر التعليم إلى سياسات تنموية قوية للقضاء على الفقر وإحداث ثورة ثقافية حداثية ومدنية تعيد للمجتمع قوته التى اكتسبها فى عشرينيات القرن العشرين. ورغم أن الخطاب القومى كان قويًا وصاخبًا فى أحيان كثيرة، إلا أنه لم يتجذر فى عقول عموم الناس ووجدانهم. ورغم أن الحديث عن العدالة كان قويا وصاخبا أحيانا، إلا أن العدالة لم تتحقق على نحو كامل. فقد كان الفكر القومى مجرد بالونة كبيرة متضخمة ما لبثت أن انفجرت وفرغ هواؤها على أصوات المدافع فى ١٩٦٧، وأمام زحف تيارات بازغة تعطى الأولوية لآليات السوق على حساب آليات العدل. ولم يكن الانكسار الكبير فى 1967 هو فقط الذى ذر الغبار على سبيكة الهوية، بل هذا التضخم الكبير أيضاً الذى حل بالطبقة الوسطى، التضخم الذى جعلها تجمع بين تناقضات عديدة، وتتوق إلى شبق السلطة، وتدخل إلى الأزمنة التالية بقيم مختلفة، أكثر تناقضًا مع القيم التى جاءت بها إلى مركز الحياة، وكل ذلك ألحق بالسبيكة بعض الغبار، الذى كشف عن فشل مشروع هذه الطبقة، وعدم قدرتها على إدارته، بل الاستدارة عليه وإفشاله على نحو ما سنرى فيما بعد. ولقد كانت حرب 1973 بداية جيدة لأن تنفض السبيكة عن نفسها أتربتها، ولكن التطورات التى لحقت بالسياسة العامة للدولة، والتى بدأت تترى منذ منتصف السبعينيات قد أدخلت المجتمع فى مأزق جديد. لقد شهد هذا الزمن تحولات جذرية فى الأطر العامة للحياة، ترتب عليها أن فقدت الاشتراكية وشعاراتها حول العدالة والمساواة رونقها، وبدأت الحياة تنداح فى أتون الركض خلف الثروة والجاه والاستحواذ على أكبر قدر من المال أو السلطة. انفرط هنا عقد التماسك والتجانس، وبدأت تدب فى الحياة جرثومة الخلاف والتنافر. فعبر ثلاثة عقود من الزمن تفككت عرى الطبقة الوسطى، وأصابها الكثير من أشكال التباعد فى فرص الحياة وأساليبها، وتراجع رأسمالها الاجتماعى، وتغيرت أنساق قيمها الحاكمة فانخفضت معدلات الثقة وتراجعت القيم الجمعية، ونمت الفردية، وتزايد شبق السلطة والثروة. ولقد أدى ذلك إلى تطاير غبار كثير على سبيكة الهوية. ولكن الغبار الأثقل والأكثر كثافة قد جاء من ثلاثة مصادر ظلت تؤثر بشكل كبير خلال العقود الثلاثة المتتالية. ارتبط الأول بتيارات الهجرة إلى الخارج، وإلى المدن الكبرى فى الداخل وعلى رأسها مدينة القاهرة. فرغم أن هذه الهجرات قد جاءت بخير كبير، وعوضت صور الحرمان الذى شعرت به جماعات على أثر التفوق الكبير لعلاقات السوق، إلا أن هذه الهجرات قد أحدثت صورًا من الحراك الجغرافى الأفقى والرأسى غير المنظم، والتمدد العمرانى المشوه، وظهور أنساق القيم المتنافرة.

أما المصدر الثانى فقد ارتبط بالتمدد الكبير للحقل الدينى، متمثلاً فى التوسع فى التعليم الدينى، وتعدد أشكال الوعظ والفتوى، وتقوية عود النزعات السلفية والأصولية بما فى ذلك عودة الروح إلى جماعة الإخوان التى كانت قد خبت فى الحقبة الناصرية. أدى ذلك إلى ظهور النزعات الماضوية، ووهن القيم التسامحية، وظهور الهويات الضيقة للدين والإقليم والقبيلة والطبقة.

وكان المصدر الثالث مصدرًا عامًا وطاغيًا، وتمثل فى التمدد فى حجم السكان وكثافتهم داخل الشريط الضيق على ضفاف النيل. وهكذا يراكم التاريخ انتصارات وانتصارات وتظل سبيكة الهوية فى تشكل دائم، واستمرارية دائمة، ولكنها قد تعجز عن أن تنفض عنها أشكالا متتالية من الغبار.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: