رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لماذا الخوف على سبيكة الهوية «1»

أواصل فى هذا المقال الحديث الذى بدأته فى المقال السابق حول الهوية الثقافية. وقد انتهيت فى هذا الحديث الذى عرضت فيه الأسباب التى تقف وراء خطاب الهوية وجذوره التاريخية وبعضًا من مظاهره المعاصرة، انتهيت إلى أنه عندما يكون الحديث عن مصر فإن الخوف على الهوية يجب أن يتوارى رغم أهميته. وربما يكون هذا هو السبب فى أننى استخدمت المجاز فى عنوان هذا المقال بأن وصفت الهوية بأنها سبيكة. فمن المعروف أن الذهب لا يصدأ أبدًا، ومن ثم فإذا كانت الهوية المصرية سبيكة فإنها لا تصدأ، بل يظل بريقها لا ينطفئ قط. ولكن سبيكة الذهب التى لا تصدأ يمكن أن يتراكم عليها بعض الغبار وبعض الأتربة التى تستلزم أن نجلوها من حين إلى آخر.
ومن ثم كان هذا الحديث الذى أسوق فيه بعض المظاهر التى تغبش لون سبيكة الهوية، والتى قد تمنع حضورها فى الضمير الفردى والجماعى بشكل كامل، أو التى تفتتها إلى سبائك مجزأة سائلة فتفقد بعض نقائها.
وقد نحتاج إلى أن نعود إلى التاريخ المصرى الحديث لكى نكتشف البداية التى نثرت كثيرا من الغبار على سبيكة الهوية. فمن المعروف أن الهوية تتشكل عبر زمن ممتد وطويل، وهى لا تضع بصماتها على التاريخ، بل إن التاريخ هو الذى يضع بصماته عليها. إنها سمت كلى، سبيكة كلية، لا تنصهر أبداً (إلا فى حالة المجتمعات الهشة التى لا تصمد أمام ويلات التاريخ، والمجتمع المصرى ليس من هذا النوع من المجتمعات)، ولكنها تتأثر، ويعاد تشكيلها بإضافة عناصر جديدة قد تكون إيجابية أو سلبية. تأتى العناصر الإيجابية لتجلو عنها بعض الغبار، ويستمر التاريخ، وتستمر الهوية، فى جدل ودينامية لا تنقطع فى محاولات دائمة لأن تنفض عنها كل صنوف الغبار. ولن نذهب بعيدًا فى التاريخ فى بحثنا عن مصادر الغبار الذى أصاب الهوية المعاصرة، بل يكفى أن نبدأ من مرحلة ليست بعيدة عن تاريخنا الحديث.
لقد دخلت مصر إلى الألفية الثانية وهى تأمل –رغم أنها كانت تَرَزَّح تحت نير الاستعمار- فى أن تكون بلدًا حديثًا يصبو إلى العلم وإلى العقلانية والتعددية التى تجمع الكل فى واحد، وأن تجلو عن السبيكة ما أصابها من غبار السنين الطويلة من حكم الغرباء. فكان التفسير العقلانى للدين الذى صاغه الشيخ محمد عبده، وكان النداء إلى تحرير المرأة وفتح الطرق أمامها لتتعلم وتشارك، وكانت الجامعة والأحزاب السياسية والصحافة منارات جديدة للحداثة المنشودة، وكان النضال من أجل استقلال تام، فكانت ثورة 1919، وكان الانتصار العظيم بصدور دستور 1923، وكانت البدايات العظيمة للفكر الحداثى المتدفق من دعوة إلى إعمال الفكر والمنهج العلمى والانفتاح على الثقافة الحديثة عند طه حسين، إلى دعوة لفصل الدين عن السياسة وفهم الفرق بين طبيعة الملك وطبيعة الدين الخالص عند على عبدالرازق، ناهيك عن الفنون المختلفة فى السينما والمسرح والغناء والنحت.
ما كاد هذا النَّفَس الحداثى يكتمل حتى جاءت موجتان كبيرتان من الغبار. تربعت الأولى فى صلب البنية وعمودها الفقرى لتقوى فى أحشائها بذور الظلم وعدم العدل الذى أدى بالمجتمع إلى أن يشهد تباينات الغنى والفقر، التى تتسربل بتحالفات سياسية بين رأس المال والسلطة، تقودها نخب فاسدة تناوئ النخبة الوطنية وتصدها نفيًا ومحاكمة (أفكر فى هذا السياق فى النفى الذى طال سعد ورفاقه بعد أن طال عرابى من قبل، وفى محاكمات طه حسين وعلى عبدالرازق). لقد أدت سيطرة الاوليجاركية الارستقراطية والزراعية إلى تأخر الوعد بالعدالة والمساواة الذى نص عليه دستور مصر الأول فى بدايات العقد الثالث من القرن الماضي. لقد أدى ذلك إلى تكوين فئات عريضة من الفقراء لم تستطع اصلاحات ثورة يوليو أن تستوعبها جميعاً. لقد أدت هذه الإصلاحات إلى فتح آفاق الحراك الاجتماعى ولكنها لم تستطع قط أن تقتلع جذور الفقر من جسد المجتمع.
أما الموجة الثانية من الغبار فقد جاءت من فكرة انقسامية اتخذت من الدين سندًا لها، فأدلجت الدين وحولته إلى سياسة خالصة لا تتورع من طرح الأوهام، أو من استخدام كل الأساليب التى تغرسها السياسة بمعناها الميكافيلي؛ كالخداع والعنف وإعلاء شأن المصلحة فوق كل اعتبار. تلك هى الفكرة الاخوانية التى حقنت فى جسد المجتمع بذرة الانقسام، ففرقت بين المسلم وأخيه، وكونت من مُرِيدِيهِا ثلة من المتطلعين إلى استملاك الحداثة باسم الدين، ومن الساعين إلى خلق أرصدة رمزية لتكوين صورة ذهنية لتمييز أنفسهم عن بنى وطنهم. ولم تكن المشكلة هنا فى هذا الانقسام البنائى المبطن للدعوة فقط، بل كانت أيضًا فى أساليبها وأفكارها اللاوطنية. فهى من ناحية تتبنى أساليب تحالفية تجعلها ترتمى دائماً فى أحضان الاستعمار والقصر ضد القوى الوطنية الناشئة، وهى من ناحية أخرى تطرح أفكارًا اعتقادية تتجاوز الوطن إلى الوراء بنزعة ماضوية لا توجد إلا فى الخيال. كادت هذه الأساليب وتلك الأفكار تضرب الهوية الثقافية فى مقتل، فكلما انداحت الفكرة فى التاريخ تبرعمت انقسامات ثقافية عديدة لا ترتبط فقط بالانقسام بين أعضاء الجماعة (وقد صنعوا لأنفسهم أساليب حياة وطرائق مميزة فى تمثيلات الجسد) وبقية أفراد المجتمع، ولكن ترتبط أيضًا بالانقسامات الثقافية ذات الصبغة الدينية التى تجلت فى ظهور تيارات سلفية أو جهادية، والتى أدت أيضًا إلى استنفار التيار الوسطى الذى يمثله الأزهر الشريف لكى يقول كلمته وسط زخم من الخطابات المتصارعة.
ولقد تضافرت تيارات الغبار القادمة من التباينات الطبقية، مع التيارات التى أسست لها الفكرة الانقسامية الاخوانية، لتترك البشر فى حالة تتراوح بين البحث عن وجود، والبحث عن يقين يجلو بعض الغبار الذى لحق بالسبيكة الذهبية للهوية. ولكن التاريخ استمر باعثاً برياح أخرى نجد فيها بعض صور الغبار التى نأمل أن يمهلنا الوقت لاستجلائها فى مقالات تالية.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: