رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الهوية الثقافية .. لماذا؟

يحتل موضوع الهوية (تنطق بضم الهاء إذا ما اشتقت من «هُو»، وتنطق بفتح الهاء إذا ما فُهمت على أنها بئر بعيدة القعر، وكِلاهما صواب، فالهوية هى ذات كلية من ناحية، وهى عميقة الجذور بعيدة القعر مثل البئر من ناحية أخرى) مساحة كبيرة فى الخطابات الرسمية والإعلامية واليومية. والحقيقة أن قضية الهوية فى حد ذاتها تعتبر قضية مهمة، وكما يختلف الناس على نطق الكلمة، فإنهم يختلفون أيضًا حول الحديث عن مضمونها ومكوناتها، ناهيك عن التحديات التى تواجهها وسُبل التعامل معها. وسوف نسوق فى هذا الحديث كلامًا حول معنى الهوية، والعوامل الكامنة خلف القلق عليها، والأسئلة المطروحة حول تحدياتها المعاصرة، ومدى عمومية أو خصوصية هذه التحديات والطريق إلى الوقوف فى مواجهاتها.

تعبر الهوية عن الذات الكلية أو الروح الجمعية التى تخلق للمجتمع سمتاً وصبغة، وهى التى تمنح أفراد المجتمع القدرة على تعريف أنفسهم: من نحن؟ من نكون؟ وكيف تتشكل ذواتنا الكلية إزاء الذوات الكلية الأخرى؟ وتتشكل الهوية عبر تاريخ طويل من تراكمات اجتماعية وسياسية، تخلق لدى الجماعة مشاعر جمعية بالانتماء إلى مكان وزمان محدد، وتجعلهم أكثر ميلاً إلى التجانس والتعايش المشترك. يمنحهم المكان الارتباط بالأرض، والذود عنها، كما يمنحهم تموضعا مكانياً يؤسس لوشائج صلة بين بقية أماكن المعمورة؛ ويمنحهم الزمان القدرة على الارتباط بالماضى وبناء وعى تاريخى بانتصاراته وانكساراته. وتتشكل الهوية عبر الاشتراك فى مكونات مهمة تنبع من موقع المكان وموضعه وتجذره التاريخى، ومن الاشتراك في اللغة والعادات والمعتقدات وأساليب الحياة، والتاريخ المشترك، هذا على الرغم من الاختلافات والتنوعات التى يمكن أن تظهر بين الأفراد أو بين الثقافات الفرعية. فالهوية الكلية للمجتمع لا تلغى الهويات الفرعية، التى تتشكل عبر تقاطعات إقليمية (الهوية الريفية فى مقابل الهوية الحضرية) أو طبقية أو مكانية أو مهنية، أو حتى فردية.

ولكن لماذا يطرح سؤال الهوية الآن، وبعد أن استقر للدولة الوطنية أركانها وقويت مؤسساتها؟ الحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال لها وجوه ثلاثة: فى الوجه الأول يكون الكلام عن الاستعمار الذى ترك الشعوب المستعَمرة فى حالة من التخلف، وتبحث عن طريقها، تلك الطرق التى تشعبت فى مسارات عديدة وتطورات غير منتظمة، ترهق أهل الأوطان بأسئلة كثيرة عن الذات، وحول مقارنات غير عادلة بالشعوب الغربية، التى نجحت بدورها فى غرس فكرة مركزية وتفوق الذات الأوروبية مقابل هامشية وتخلف الذوات الأخرى. وهكذا يمكن القول إن الاستعمار ترك الشعوب ولكنه ترك معها أسئلة حائرة حول ذاتها ومصيرها، ظلت تراوحها فترات طويلة من الزمن. وفى الوجه الثانى يكون الكلام عن الطرق التى تطورت بها عمليات التغير فى الدول النامية، لقد كان التغير دائمًا يسعى إلى اللحاق بالدول الأكثر ثراءً والأكثر تقدمًا فى الميدان التكنولوجى والثقافى. ولقد تعذر اللحاق كثيرًا، وطال أمد الجرى خلف التقدم دون بلوغه. فكلما تقدمت المجتمعات النامية فى جنوب العالم إلى الأمام، وكلما حققت قدرًا من التنمية فى بعض مجالات الحياة أو فى كلها، تقدمت المجتمعات الأغنى فى شمال العالم بمعدلات أكبر وأسرع. فلا يكون أمام المجتمعات النامية إلا مزيد من الجرى. ويولد هذا الظرف ضروب مختلفة من المقارنة التى لا تنقطع، وهى مقارنة تبنى على أسئلة تظل تراوح مكانها فى كل العالم النامى: متى نلحق بهذا الركب؟ هل لنا من سبيل إلى بلوغه؟ وكيف؟ ولماذا تعثر سبيلنا؟ وتنتهى كل هذه الأسئلة وغيرها فى نهاية الأمر إلى سؤال الهوية الاجتماعية والثقافية. يبدو البحث هنا وكأنه تأمل ذاتى فى النفس، أو كأنه بحث فى الجذور من أجل استنبات حل لمشكلة التقدم الكبرى. أما فى الوجه الثالث فإن الحديث ينصب على الذات نفسها، أقصد الذات الفردية التى تطرح سؤال الهوية وتبثه فى الخطاب العام، وتخلق منه قضية مهمة. فالظروف التى تعيشها الذات، وأشكال المقارنات التى تجربها بشكل دائم تجعلها تنظر إلى وجودها على أنه وجود غير مكتمل. ثمة شىء ناقص بشكل دائم، وثمة بحث عن خلاص، وعن ملاذات جديدة مختلفة يصعب الوصول إليها فى الكثير من الأحيان. ومن المتوقع أن يتحول هذا الجهد الوجودى إلى أسئلة وجودية ترتد إلى الذات لتسأل عن ماهيتها، وتاريخها، ومصيرها، ومستقبلها. هنا يتخلق بحث جديد عن الهوية نابع من قلق وجودى على المصير.

ولقد خلقت الظروف التى يمر بها عالمنا المعاصر عددًا من التحديات التى تعانيها المجتمعات جميعاً، على اختلاف فى حجم هذه المعاناه التى يتوقع أن تتزايد فى المجتمعات النامية جنوب العالم. فثمة ظروف اقتصادية غير آمنة تخلقها العولمة وما فيها من آليات للاحتكار؛ وثمة تدفقات هائلة من التكنولوجيا تضع الإنسان فى تجربة جديدة وتدفعه إلى تغيير أساليب حياته، وثمة ثقافة استهلاكية تخلق طموحاتها الخاصة، التى لا تلتفت إلى ظروف البشر ومداخيلهم المحدودة. وثمة عالم الاتصال الرقمى بصوره المختلفة التى تفتح أمام البشر آفاقا جديدة للحرية واختراق الحدود، والفعل خارج الإطار، والجرأة على كسر العلاقات القديمة الراسخة، أو الجرى خلف أوهام لبعث الماضى أو التقوقع حول الأفكار الضيقة، أو الملذات الضيقة كالعرق والدين والقبيلة. كل ذلك فرض تحديات جديدة جعلت سؤال الهوية أكثر إلحاحًا عن ذى قبل، وجعلت الخوف على تفكك الهوية الثقافية يتزايد بشدة لأن كل هذه التغيرات لها قوة تفكيكية هائلة. هنا يتحول قلق الوجود الكامن فى بنية الذات إلى قلق التفكك والتشرذم، قلق ضياع العمران أمام نزوات لا قبل للعمران بها. وإزاء هذا الظرف نحن بحاجة إلى جهد كبير للمحافظة على الهوية الثقافية وصونها. ولكن مهما يكن من أمر فإن هذا الجهد يجب ألا يأخذنا قط إلى جلد ذواتنا ورجم مجتمعاتنا وتاريخنا، بل يجب أن يعمق فينا الفخار الوطنى، والوعى بالتاريخ، واستنبات نجاحاته وقوة دفعه الحضارى. ويكون مثل هذا السعى واجبًا عندما يكون الوطن هو مصر.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: