مع التقدم المتزايد فى المجال التكنولوجى وما يقابله فى الوقت نفسه من الاعتماد على الفضاء الافتراضى فى فترة ما بعد جائحة كوفيد-19 واشتعال الأزمة الروسية- الأوكرانية، واتساع الشبكات وارتباطها بقائمة طويلة من الخدمات يتعاظم الخوف يومًا بعد يوم من الاختراقات الأمنية التى تتخذ من الثغرات المتاحة مدخلًا لتهديد أمن دول وجماعات وأفراد ومصالح تجعل من مهام الحماية الإلكترونية/السيبرانية ضرورة عالمية لا تقل فى أهميتها عما توفره الجيوش من أمان عالميًا وإقليميًا ومحليًا.
طبقًا لتقدير شركة «شيكبوينت سوفت وير» المتخصصة فى الأمن الإلكترونى ومقرها كاليفورنيا، فإن سويسرا تشهد تصاعدًا فى عدد الهجمات الإلكترونية عليها حيث قفزت محاولات التسلل التى سجلتها هيئات سويسرية مختلفة تنوعت ما بين الشركات متعددة الجنسيات والهيئات الدينية نهاية العام الماضى بنسبة 65٪ مقارنة بالأعوام الماضية، واستهدف المتسللون الشركات الصناعية، كما واجهت الكيانات التجارية نحو 738 هجوما إلكترونيا أسبوعيًا - دون تمييز بين الناجح منها والمتعثر-، بزيادة قدرها 20٪ على العام الماضى. وأظهرت الإحصائيات ارتفاع نسب الهجمات على شركات الاتصال بنسبة 65٪، وكذلك شركات التأمين ومكاتب المحاماة بمتوسط 191 هجومًا لكل شركة من الشركات الكبرى لعام 2021. كما لم تنج شركات أخرى ومنظمو معارض شهيرة وموردو أدوية ومنها الشركة المصنعة للمركبات الزراعية ومركبات الطرق، وشركة الملاحة على بحيرة جنيف، وبنك مقاطعة نوشاتيل، وكذلك عيادات بالاس. كما شهد عام 2022، تعرض كيانات اقتصادية فى لوسيرن لهجمات نهاية الأسبوع التى تسببت فى إيقاف شبكة الكمبيوتر وتوقف التواصل بين الفروع. وتعد المستشفيات السويسرية من بين الأماكن الأكثر عرضة لهجمات القرصنة والمتسللين حيث تم اختراق الحاجز الأمنى الافتراضى لهيئتين طبيتين فى نوشاتيل، ولحسن الحظ، لم يسفر ذلك عن تأجيل أو تأثير على أداء القطاعات الطبية وإن اختلف الأمر فى الولايات المتحدة حيث وقعت الكثير من المستشفيات والهيئات الطبية فريسة للقراصنة، مما اضطر المسئولين لفصل أنظمة الكمبيوتر الخاصة بها عن شبكات الإنترنت لمنع انتشار الفيروسات ومحاولات سرقة البيانات، واضطر البعض للانتقال لمؤسسات بديلة للمتابعة الطبية. وطبقًا للإحصائيات فإن أوروبا معرضة بصورة أكبر للقرصنة الإلكترونية وقد ارتفعت بالفعل نسب التسلل فى الدول المجاورة فى فرنسا وألمانيا والنمسا، والتى تتعاون فيما بينها عبر «مركز التميّز للدفاع السيبرانى التعاونى» التابع لحلف شمال الأطلسى فى تالّين، عاصمة استونيا, والذى انضمت إليه سويسرا عام 2019 بهدف الاستفادة من معارف المركز وأنشطة البحث والتدريب.
وطبقًا لما أشارت إليه التقديرات فإن أوروبا تحتل قمة المناطق الجاذبة لمحترفى القرصنة والهواة، تليها أمريكا الشمالية، ثم أمريكا اللاتينية ثم آسيا والمحيط الهادى وأخيرًا إفريقيا. كما تحظى تخصصات بعينها بالإقبال على اختراقها وتهديد أمنها الإلكترونى حيث تتصدر الهيئات والجهات الفاعلة فى مجال الصحة القمة بنسبة 107 ٪، تليها الشركات المالية أو البنوك بنحو 98 ٪، وتأتى بعدهما الوكالات الحكومية والعسكرية بنسبة 8.6 ٪، وهو ما يبرر رفض المؤسسة العسكرية السويسرية استخدام تطبيق الواتساب لعدم ثقتها فى أمن تبادل المعلومات عبره، كما منعت الإدارة السويسرية استخدام موظفيها للتيك توك. ومن المعروف اعتماد غالبية المقاطعات السويسرية على فضاءات إلكترونية حكومية شديدة التعقيد لإدارة شئون المواطنين والمقيمين، والتى تسمح بمتابعة ملفاتهم فيما يتعلق بأمور التعليم والسكن والعمل والضرائب وطلب المساعدات أو الحصول على وثائق وأوراق رسمية لميكنة الخدمات وتقليل أعداد المترددين على البنايات الحكومية، حيث يتطلب الدخول إلى الحساب الرسمى الشخصى عدة طرق لضمان حماية البيانات، ومنها رقم محمول مستعمل ومتاح محليًا، وبريد إلكترونى شخصى، وكلمة سر لحظية يتلقاها المواطن على تليفونه للولوج إلى حسابه الحكومى، هذا فضلُا عن حماية الأجهزة العامة المتاحة فى أماكن العمل والتعليم والصحية والهيئات الدولية بحوائط الحماية لرفض تنزيل أى برامج أو ملفات حتى لو كانت من مواقع حكومية .
مؤخرًا، ونتيجة لتوصيات جادة وحازمة، خرجت الإدارة السويسرية بحملة جديدة لتشجيع سكان مقاطعاتها على إنشاء كلمات مرور قوية لحساباتهم الافتراضية لتفادى تسهيل الأمر على مجرمى الإنترنت وقراصنة الفضاء الافتراضى من اختراق لبيانات المستخدمين. تأتى الحملة تحت رعاية الوكالة السويسرية لمنع الجريمة وقوات الشرطة فى المقاطعات والبلديات ومقدمى الخدمات المصرفية، فضلًا عن المركز الوطنى للأمن السيبرانى الذى يتلقى أسبوعيا وبصورة متزايدة عشرات البلاغات والتقارير بخصوص القرصنة والابتزاز الزائف والتخويف والتهديد والتشهير وغيرها من جانب الأفراد والشركات والهيئات. جاء انطلاق الحملة الفريدة متزامنًا مع الاحتفال باليوم العالمى لكلمات المرور وانتشرت عبر رسائل لمستخدمى الشبكات لتشجيعهم على استخدام كلمات مرور قوية لا تقل عن اثنى عشر حرفًا وتحتوى على أحرف صغيرة وكبيرة بالإضافة إلى أرقام خاصة مع التحذير من كلمات المرور السهلة مثل الأرقام المتتالية سهلة التخمين، أو تواريخ الميلاد وكلمات التحية والترحيب.
فى الوقت نفسه، يولى البرلمان الاتحادى السويسرى أهمية خاصة لمركز قيادة إلكترونى تابع لقيادة الجيش كجزء من إصلاح نظام الدفاع للبلاد التى تتقدم ببطء فى هذا المجال، وذلك لحماية مجالات البنى التحتية ذات الحساسية الخاصة مثل الكهرباء والسكك الحديدية والبنوك والاتصالات، وذلك فى ظل تداعيات ما بعد دخول روسيا إلى أوكرانيا، حيث لم تقتصر الحرب على ساحة المعركة وطرفيها، بل امتدت لتشمل دائرة واسعة من البلدان، وقد وثق معهد السلام الإلكترونى فى زيورخ مئات الهجمات الإلكترونية التى استهدفت أوكرانيا وحلفاءها فى الولايات المتحدة وأوروبا وعلى وجه الخصوص سويسرا التى تخلت عن حيادها المشهورة به فى السابق.
رابط دائم: