رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الثقافة.. العمود الفقرى للحوار الوطنى

تفهم الثقافة بمعناها العام على أنها تشير إلى العادات والتقاليد واللغة والفنون وكل أساليب الحياة التى يكسبها الإنسان بوصفه عضوا فى المجتمع. وهى بهذا المعنى العام تمثل النسق غير الظاهر، الكامن خلف كل أشكال التفاعل المعقدة التى يعرفها المجتمع، يوجهها، ويضبط إيقاعها ويراقب انحرافاتها، ويخلق منها بنية اجتماعية متماسكة تستمر فى الوجود لتحقق لأعضاء المجتمع حاجاتهم وطموحاتهم. ولذلك فعندما انطلق الحوار الوطنى كنت أتمنى أن يكون للثقافة محور مستقل، ولكن بوضعها داخل المحور المجتمعى فقد حظيت الثقافة باهتمام كبير، وفتح لها المجال لتطرح موضوعات عديدة يناقشها مثقفون وأكاديمين وفنانون، لبناء رؤية ثقافية عامة توجه حياتنا فى مجتمع المستقبل الذى يأمل كل المصريين أن يكون مجتمعاً نضراً قادراً على أن ينافس بقوة فى إقليمه وفى العالم بأسره.

والحقيقة أن الثقافة هى العمود الفقرى فى الحوار، فهى من ناحية تتصل بكل جوانب الحياة، ومن ثم فإنها تدخل فى كل دوائر الحوار؛ وهى من ناحية أخرى تمتلك حقلها الخاص، وتطرح موضوعات خاصة بها دون غيرها، وهى موضوعات لها أهمية كبيرة فى بناء القوة الناعمة للدولة، وفى بناء عقول أبناء المجتمع وصياغة وجدانهم. وسوف أتناول فى هذا المقال هذين البعدين (العام والخاص) فى الحوار الثقافي. وفى كلا البعدين نجد أن الحوار الثقافى يعمل على تأطير قنوات اتصال عقلى وفكرى، كما يعمل على فتح كل الآفاق المغلقة فى العقول، ويجعلها تتلاقح وتتفاعل وتصبح قادرة على أن تخلق مجالاً عاماً للنقاش والحوار والاستماع من أجل بلورة أفكار عملية لقيادة التنمية والتقدم، ومن أجل خلق فضاء للتدبر العقلى فى القضايا والمسائل التى تتصل بالصالح العام، صالح المجموع الكلى للسكان، وليس لمصلحة فئة بعينها أو طبقة بعينها.

ولاشك أن الحوار الثقافى يستطيع أن يحقق هذه الوظائف المهمة فى كل محاور الحوار. ففى المحور الاقتصادى نجد أن الثقافة تطل برأسها من زوايا عديدة. فالسلوك الاقتصادى –الإنتاج والاستثمار والادخار والاستهلاك- له جوانب ثقافية لا تخطئها العين. فكل هذه السلوكيات الاقتصادية تنتهى فى النهاية عند قرارات تصدر عن الفاعل الاقتصادي وتتأثر بالأطر الثقافية التى يحملها الفاعل الاقتصادى فى عقله. ومثل ذلك يقال على كل التعاملات الاقتصادية التى يدخل فيها الفرد بيعاً أو شراءً، وعلى العمليات المتصلة بالإنتاج، وأشكال تنظيم العمليات الإنتاجية وتنظيم العمل، وعلى العلاقة بالموارد الاقتصادية المختلفة. إننا هنا داخل عالم الاقتصاد بصدد وجهين، وجه مادى صرف، ووجه آخر ثقافي. وهذا الوجه الثقافى هو الذى يؤدى فى النهاية إلى قدر كبير من الدينامية داخل الحياة الاقتصادية، وقدر كبير من التباين بين سكان المجتمع الواحد فى أساليب حياتهم وقراراتهم الاقتصادية. وإذا ما غادرنا الاقتصاد إلى عالم السياسة فسوف نجد الثقافة حاضرة بقوة أيضا. ويعرف علماء الاجتماع السياسى جيدا أن ثمة مفهومات سياسية مهمة تؤشر بشكل صريح على الثقافة، فهناك الثقافة السياسية، ويقصد بها مجموعة المعارف والتوجهات السياسية التى تحدد المقاصد السياسية للفاعل فى الحقل السياسى، وهناك مفهوم التنشئة السياسية الذى يشير إلى الطريقة التى يتشكل بها العقل السياسى أو الأساليب التى تكتسب بها الثقافة السياسية. وتدخل الثقافة إلى مجال السياسة من زوايا أخرى غير مباشرة، فالسلوك الانتخابى، والتحالفات السياسية، والتحزب السياسى، بل والقرارات السياسية، كلها تبنى على تحيزات ثقافية. فالثقافة التى يحملها الأفراد فى داخلهم، هى التى توجه سلوكهم. ويزداد حضور الثقافة عندما ننزل إلى الحقل الاجتماعى، إلى حياة الأسرة، والمجتمع المدنى، والحياة اليومية، والعلاقات مع مختلف المؤسسات التى تقدم خدمات مثل الصحة والتعليم وخدمات الرعاية الاجتماعية. هنا فى الحقل الاجتماعى يبرز دور الثقافة كأطر للسلوك والتفاعل، ومن خلالها تتشكل الفروق والتباينات بين الريف والحضر، وبين الفئات العمرية والاجتماعية المختلفة. ولكن رغم تغلغل الثقافة فى كل شبكات الحياة على هذا النحو، إلا أنها تبقى محتفظة باستقلال حقلها الخاص. وعبر هذا الحقل تتجدد أهم القضايا التى تثار فى الحوار الوطنى حول الثقافة. ومن أولى هذه القضايا قضية الهوية الثقافية، التى تطرح سؤالاً مهما حول الطرق الثقافية المختلفة التى يمكن من خلالها المحافظة على لغة المجتمع ودينه وطاقته الحضارية، وروحه العامة، وضميره الجمعى العام. وتأتى بعد ذلك قضية الصناعات الثقافية، وهى كثيرة كالسينما والمسرح والفنون التشكيلية والدراما والترجمة وصناعة النشر، وتدخل هنا قضية الإبداعات الأدبية والفكرية والفكر الاجتماعى والفلسفي. ويكون السؤال فى حالة الصناعات الثقافية والابداعات الأدبية متعلقاً بالطرق التى تسهم بها فى الحفاظ على الهوية الثقافية من ناحية، وفى خلق قوة دفع ذاتية للإبداع والابتكار، وبثها فى جسد المجتمع برمته. وتأتى بعد ذلك قضية السياسات الثقافية والمؤسسات الثقافية المسئولة عن تنفيذها. فالعمل الثقافى لابد أن يبنى على رؤية واضحة تحمل رسائل جلية تؤشر على الدور الذى يجب أن تلعبه الثقافة فى تشكيل العقول، وضبط قوى الغريزة والعنف والحفاظ على تماسك المجتمع وعلى قوة الدفع الحضارى. والمؤسسات الثقافية هى التى تقوم على تنفيذ هذه الرؤية من خلال علاقاتها التشابكية مع كل قطاعات المجتمع.

وأخيرا فإننى قصدت من هذا الحديث ليس فقط التركيز على أهمية الثقافة كقاعدة عريضة يتأسس عليها كل سلوك، ولكن لكى ألتمس من زملائى فى محورى الاقتصاد والسياسة وبقية لجان الحوار المجتمعى أن يخصصوا بعض جلسات لدور الثقافة (بمفهومها العام كأسلوب للحياة) فى تشكيل الأفعال الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. فمن شأن ذلك أن يحقق رؤية تكاملية للحوار ويفتح آفاقا للتلاقح والتبادلية بين الأفكار التى يطرحها الحوار فى كل محاوره.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: