رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

علياء شكرى.. نموذج العلم المطمئن

إذا كان الموت قد غيب الأستاذة الدكتورة علياء شكرى، فإن أصداء مسيرتها وميراثها العلمى لن تغيبا ابداً، وسوف تظل تشكل نهرًا من العطاء المتدفق. فقد كانت المسيرة ثابتة مطمئنة مؤسسة على مبادئ أخلاقية صارمة، وكان الميراث علمًا نيرًا مطمئناً ونماذج أخلاقية ثابتة من العطاء والتنوير. ولقد آثرت ألا يكون الحديث هنا حديثاً شخصياً يركز على خبرات التعامل وما فيها من جوانب بارقة مضيئة. وهى كثيرة. فهذه الجوانب يعرفها كل من اقترب منها وتعامل معها، وفى المقابل فقد آثرت أن ينصب الحديث على مجموعة من الصفات التى يمكن أن تتمحور حول نمط مثالى أطلق عليه نموذج العلم المطمئن. وهو نموذج لا يراه ولا يستوعبه إلا من اقترب منها، وتفهم تفاصيل كثيرة ربما تغيب عن المتابعين للمسيرة عن بعد. لقد تعلمنا من ماكس فيبر كيف تصاغ الأنماط المثالية عن طريق تجميع عدد من الخصائص العامة التى تؤشر على النمط فى شكله المثالى، بحيث يمكن الاقتراب أو الابتعاد عنه فى حدود الدرجة التى توجد بها هذه الخصائص. واصادر هنا بالقول بأن أستاذتنا كانت أقرب الناس إلى النمط المثالى للعلم المطمئن الذى نسعى إلى بلورة مفهومه فى هذا الحديث. بل إن خصائص النمط نفسها قد تم اشتقاقها من مسيرتها، فكانت مسيرتها وما انتجت من ثمار لا تقترب من نموذج العلم المطمئن فحسب، بل إنها تجسده تجسيداً حياً. دعونا ندخل فى مزيد من التفاصيل حول ما قصدناه بالعلم المطمئن كما تجسد فى هذه الشخصية العظيمة. نستطيع أن نضع أيدينا على خصائص خمسة، نبدؤها بالصفات الشخصية التى هى أساس تكوين الاطمئنان الحياتي. لقد كانت نموذجاً للهدوء والسكينة، تستمع أكثر مما تتحدث، وإن تحدثت، فبهدوء وتؤدة؛ تنتقى الكلمات، وبقدر كبير من التحفظ والوعى، ولكنها إذا ما اطمأنت واقتنعت بمحدثها – وقد يأخذ ذلك وقتاً طويلاً – فما يلبث التحفظ أن يزول؛ وهنا تتدفق الكلمات والجمل فيخرج الكلام مليئاً بالثقة والصراحة، من شفاه لا تغادرها الابتسامة قط. ويكتمل هذا الاطمئنان الشخصى بسمة أخرى ترتبط بالاطمئنان الأسرى، الذى يكون نتيجة جهد يبذل أساساً من ربة الأسرة. لقد عاشت أستاذتنا زوجة لأستاذ كبير يضطلع بمسئوليات إدارية وأكاديمية كبيرة؛ فضلاً عن مسئولياتها الإدارية والأكاديمية أيضاً، فقد عملت لفترة طويلة رئيسة للقسم، ثم عميدة للكلية. تلك هى الأسرة التى يطلق عليها أسرة المهن المزدوجة، حيث يشتغل الزوج والزوجة بمهن تتطلب منهما جهداً وعملاً متصلاً، بجانب المسئوليات التقليدية فى تربية الأبناء والمحافظة على كيان الأسرة وتماسكها. ولقد استطاعت أستاذتنا- بالتعاون والتناصح مع شريك الحياة- أن تحول الأسرة إلى خلية نحل علمية واجتماعية.

ففى بيت الأسرة تعقد السمنارات العلمية، ويلتقى أهل المهنة والثقافة فى حوارات وجلسات عمل، وهنا يتعلم التلاميذ الصغار أصول العلم ومنهجه، وأصول السلوك الأخلاقى القويم، وهنا يشب الأطفال، ثلاث فتيات، يشغلن الآن منصب الأستاذية فى مجال علم الاجتماع والطب والهندسة. الأسرة هنا مكان للحياة الخاصة، ولكنها فى الوقت نفسه لا تنفصل عن هموم المهنة وتحدياتها. يتصل ما هو عام بما هو خاص، ويلتقى الأجيال، فيسود الهدوء والسكينة، والدأب العلمى الذى يحيط بالأسرة من كل اتجاه. وينقلنا ذلك إلى الدائرة الأكاديمية، فنصادف خصيصة مهمة أحسب أنها ركن أصيل فى نموذج العلم المطمئن، وهى ترتبط بوضوح القصد من العلم. لقد تخرجت أستاذتنا من قسم الاجتماع فى آداب القاهرة، وحصلت على الدكتوراة من جامعة بون فى الانثربولوجيا والفولكلور. وتكشف المسيرة عن أنها أخلصت لهذا التخصص إخلاصاً شديداً، فدفعت تلاميذها إلى البحث فى موضوعات مستجدة فى قضايا التراث والثقافة. ولكن الأهم من ذلك هو الإخلاص الدائم للمناهج الكيفية، التى تعتمد على جمع مادة تفصيلية باستخدام أدوات الملاحظة والمقابلة المتعمقة ودراسات الحالة. ولقد تم تدريب عشرات الطلاب على استخدام هذا المنهج، ولقد برع بعضهم فيه وأصبح أحد الأركان الذى يميز مدرسة علياء شكرى فى الدراسات الانثربولوجية. ولأن المسيرة برمتها هى مسيرة مطمئنة فقد تميزت بالتراكمات الكيفية التى قد تكون بطيئة ولكنها مؤكدة. وتلك خصيصة مهمة فى نموذج العلم المطمئن؛ وأقصد استمرار عملية التعلم وتكوين تراكمات علمية عبر المسيرة، تمكن من فتح آفاق جديدة وتخلق استمراراً متدفقاً فى العطاء، فليس هناك من هدف إلا أن يكون العلم نضراً مكتمل النمو، حاضراً فى كل مكان وكل زمان. ليس غريباً إذن أن نجد استاذتنا تناقش رسالة فى جامعة الزقازيق قبل رحيلها بعشرة أيام، وتشكل لجنتين لمناقشة رسالتين لم يمهلها الموت لإكمالهما. وهكذا يخلق الاطمئنان وقوفاً وصموداً دائمين، ليس لهما علاقة بتقدم العمر. وإذا كانت هذه الخصيصة قد ميزت أستاذتنا –وأسرتها على العموم- فقد انتقلت إلى عدد كبير من التلاميذ الذين يشغلون الآن أماكن مرموقة فى عالم الأكاديميا فى كل الوطن العربي. وأخيراً نستطيع أن نختم بما بدأنا به، بأن نلتمس خصيصة أخيرة فى نموذج العلم المطمئن، وهى تتصل بصفات شخصية تنعكس بالضرورة على الممارسات العلمية.

ومن هذه الصفات الاصرار على تحقيق الهدف مهما كانت الصعوبات. ويلتمس المقربون من الفقيدة الكبيرة هذه الصفة فى ممارسات كثيرة لا فى الحياة فقط وإنما فى استراتيجيات الإدارة وفى الجوانب الأكاديمية. فقد نفذت أثناء عمادتها لكلية البنات مشروعات لم تكن لتنفذ لولا هذه الإرادة وذلك التصميم على بلوغ الهدف. كما استطاعت أن تسهم متطوعة فى إعادة نشر طبعة جديدة من موسوعة علم الاجتماع من المركز القومى للترجمة رغم الصعوبات الكثيرة المتصلة بكثرة عدد المترجمين وموت بعضهم. ولكن هذه الإرادة الصلبة لم تستطع أن تقف أمام الإرادة العليا، فكان الفراق السريع الذى لم يش بأية مقدمات، فكان الفقد المفجع، ولكن يبقى نموذج العلم المطمئن الذى قدمته نبراساً لنا وللأجيال المقبلة.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: