كم من بورصات انتكست ومنيت بخسائر هائلة، وسلع اختفت وأخرى ارتفعت أسعارها بمعدلات هائلة من وراء شائعات صغيرة، سرعان ما انتشرت، وتحولت إلى أزمات من الصعب تداركها، وكم من بنوك تعرضت لأزمات خطيرة بسبب تعطل طارئ في عدد من أجهزة الصرف الآلي، فتجمعت أعداد أكبر فأكبر أمام أجهزة الصرف، لتسري شائعة بأن هذا البنك أو ذاك ليست به سيولة نقدية، ثم تحولت إلى أن البنك متعثر، ثم تحولت إلى إفلاس البنك، فتجمع المودعون أمام فروع البنك ليسحبوا ودائعهم ومدخراتهم، وبالطبع لم يكن يتوافر للبنك سيولة تكفي كل هؤلاء العملاء، فما كان منه إلا إغلاق أبوابه، لتتحول الشائعة إلى كارثة أجبرت البنك على سرعة بيع أصول له بأي ثمن ليحاول إنقاذ سمعته، ولحقت به خسائر كبيرة نتيجة ضغوط المودعين التي تحولت إلى خسائر فادحة.
وكم من معلومة غير دقيقة في الصحف الشعبية أو شائعة شفوية كانت تكفي لترفع أسعار أسهم في البورصات الأمريكية، وتخسف بأخرى، وقد انتبه المنظمون للبورصات لأهمية المعلومات المغلوطة وتأثيرها، بعد أن جنى منها البعض مكاسب كبيرة، ولحقت بآخرين خسائر فادحة بسبب تلك المعلومات المغلوطة أو غير الدقيقة عن موازنات وأرباح الشركات وأوضاعها المالية وصفقاتها، فتقرر إصدار قانون بعقوبات قاسية على نشر معلومات تؤثر على أسواق الأسهم والسندات.

ومنذ أيام وجدت تصريحا منسوبا إلى شيخ الأزهر، ثم وجدت متابعات للتصريح على منصات التواصل الاجتماعي، وانقسم ناشرو التصريح ومتابعوه بين مؤيدين ومعارضين، وأدلى الكثيرون بآرائهم حول التصريح، ناصره البعض بشدة، وانتقده آخرون، وعندما سألت وتحريت عن حقيقة التصريح وجدت أنه لا أساس له، ولم يدل به شيخ الأزهر من الأساس. هذه الواقعة تتكرر على منصات التواصل الاجتماعي، ولا ينتظر الكثيرون التحقق من الخبر، ويتلقف البعض الأخبار الغريبة أو المزعجة، لأنها مثيرة للاهتمام، وتحظى بقدر أكبر من القراءات والتعليقات، وهذا يحدث من بعض حسني النية، لكن هناك مجموعات ليست حسنة النية، ومدربة على فبركة الأخبار، ونشر المعلومات المغلوطة، فهذه ليست حرفة سهلة، وعلى محترف نشر الأخبار المغلوطة أن يراعي قابليتها للتصديق، ويخلط المعلومات المغلوطة بمعلومات صحيحة، وهناك توقيتات تكون أكثر ملاءمة من غيرها، ومع تطور تكنولوجيا المعلومات ودخول حقل الذكاء الاصطناعي بقدراته الهائلة، حيث يمكن فبركة الصور الناطقة بدقة عالية، واستحداث عبارات بصوت ونبرة شخصية صاحب الصورة، حيث يمكن إدخال مجموعات صور لشخصية ما، وإدخال مقاطع صوتية، تقوم بها أجهزة معقدة بأن تنتج صورة متحركة بصوت شخص ما وهو يقول عبارات لم يتحدث بها أبدا، ولا يمكن للمشاهد أو المستمع أن يدرك أن الصورة والصوت تم استحداثهما بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وهذا يؤدي إلى ارتباك شديد في عدم القدرة على فرز المعلومات الصحيحة من المغلوطة، ولا يمكن أن نرفض التطور الهائل في تقنيات المعلومات والذكاء الاصطناعي لمجرد استخدامه الخاطئ، لكن علينا أن نبرع في هذا المجال، ونستطيع كشف الأخطاء أو الاستخدام الضار، وأن ننتج برامج قادرة على فرز الصحيح من المصطنع، وأن نركز جهدنا في الاستخدام المفيد لهذا التطور.
وخلال الأزمة التي تمر بها مصر بسبب الاضطرابات الدولية، التي رفعت معدلات التضخم، وأثرت على معدلات النمو في مختلف أرجاء العالم تضاعفت الخسائر بسبب الشائعات، فإذا ارتفع سعر سلعة بنسبة 10% نجد السعر قد تضاعف في السوق أضعاف الزيادة، فالأخبار المفزعة تدفع الناس لشراء كميات أكثر مما تحتاج، خوفا من زيادات سمعت عنها، فيؤدي الشراء الزائد عن الحاجة إلى ندرة في السلعة، ويستغل بعض التجار الفرصة فيخزنون السلعة، لتزداد الأزمة حدة وتعقيدا، ويحقق التجار مكاسب مضاعفة، ويكون المستهلك الضحية، ومن الصعب تتبع من يروجون لتلك الأخبار المفزعة، لأن الكثيرين يعيدون نشرها دون التحقق منها، وتتوه الحقيقة وسط زحام الأخبار الزائفة، والتي تتسبب في أزمة حقيقية، وتصبح الكذبة حقيقة.
ويزداد الإقبال على صناعة وترويج الكذب لأنه يحقق فوائد للجان المرتزقة الإلكترونية ولبعض أصحاب المصالح والمكاسب.
وكان قد ظهرت لدينا لجان إلكترونية مدعومة من جهات إقليمية ودولية، ولعبت دورا في تشويه الدولة وإثارة الفتن ومحاولة خداع الشعب باسم الثورة حينا والإصلاح أحيانا، لكن اللافت كان ظهور مجموعات محترفة، بعضها صغير العدد وأخرى أكبر تؤجر مهاراتها لمن يدفع أكثر، ولا تتبع أي جهة، يمكن أن تقدم خدماتها إلى أفراد أو جهات، يمكنها مضاعفة أعداد المتابعين لصفحة تتبع جهة أو فردا، أو تشارك في حملة مدفوعة، سواء في الترويج أو التشويه، ووجدت سوقا يزخر بالزبائن، وهذه الظاهرة الفريدة أصبحت لا تقل خطورة عن اللجان التي تحركها جهات داخلية أو خارجية، ومن الصعب تتبعها أو معرفة أهدافها، لتزيد من الفضاء الإلكتروني تعقيدا، وأصبحنا عرضة لأخبار ومعلومات وفيديوهات فيها الكثير من الفبركة والقليل من الحقيقة.
هل من سبيل لوقف أو تحجيم الظواهر السلبية من تطور تقنيات المعلومات والذكاء الاصطناعي وظهور لجان المرتزقة الإلكترونية؟
أعتقد أن الحلول ممكنة، وأن الوعي المجتمعي ضروري للحد من مخاطر تلك الظواهر، وعلينا أن نفكر قليلا وأن نشك قليلا قبل أن نتحمس لنقل خبر أو صورة أو فيديو، ونسأل أنفسنا هل هي حقيقية أم مفبركة، وأن نتمهل ونبحث إذا كان لدينا بعض الشكوك ولا نتسرع في النقل والنشر؛ لأنك بمجرد أن تنقل وتنشر لن تقبل بالطبع فكرة أو حقيقة أن ما نشرته كان كذبا أو تعترف بأنك وقعت فريسة للخداع، وستضطر إلى الدفاع عما نقلته أو نشرته حتى لا تهتز صورتك أمام أصدقائك ومتابعيك، وتصبح شريكا رغما عن أنفك في ترويج تلك الأخبار والمعلومات المضللة.
علينا أن نعترف بحقيقة عدم قدرتنا على تمييز كل الفبركات المصطنعة، بل أحيانا تعجبنا صنعتها، وننشرها على سبيل الدعابة، لكنها في الحقيقة دعابة سلبية لا ترسخ قيمة البحث عن الحقيقة، وبعض المعارضين يرون فيها سلاحا وأداة تنال من سياسات لا تعجبهم، ويرون أنه لا بأس في استخدام أو تمرير أو مباركة تلك الفبركات المشينة، وأعتقد أن هذا التمرير أو الترويج لتلك الأخبار والصور يلحق الضرر بالجميع، وأن المجتمع بأكمله يدفع الثمن مضاعفا، ويزيد من فقدان الثقة بالنفس، ولا يرسخ للعقلانية، وإنما يأخذنا إلى طريق الخداع والتضليل الذي يطيل من معاناتنا وأزماتنا ويجعل مجتمعنا هشا يسهل التلاعب بعقول أبنائه، لهذا على النخب المصرية بكل توجهاتها أن تحذر من تلك الظواهر الضارة، وأن تتصدى للتضليل أيا كان هدفه أو مصدره.
لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت رابط دائم: