رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فرحـة العيد الدافئــة

عندما أتذكر العيد فى طفولتى أجد الكثير من الذكريات الممتعة والدافئة، التى لا يمكن لأجيال أولادى أن تتخيلها، وعندما أحكى عنها أجد فى عيونهم وتعليقاتهم دهشة ممزوجة بسخرية خفية، فما كنا نراه حلما جميلا أصبح لديهم شيئا ميسورا ومعتادا، بل أقل بكثير مما يجدونه فى أيامهم العادية، كنا نتهيأ لأيام العيد من النصف الثانى من رمضان، عندما يأتى والدى بالأقمشة لتفصيل البيجامات والفساتين لأطفال العائلة، وتقوم شقيقتى الكبرى وأحيانا الترزى لأخذ القياسات، ونظل نلح أن نتسلمها مبكرا، لنضمن أن مقاسها مضبوط، وكان الترزى يراعى أن القماش سينكمش بالغسيل، فتكون اللبسة الأولى لملابس العيد فضفاضة، الأكمام أطول من أذرعنا، وتجر فى الأرض، ولا يستجيب لتوسلاتنا بتقصيرها، لأنه يعرف أنها ستقصر مع الغسيل، ولما كنا جميعا نرتدى تلك الجلاليب أو البيجامات الواسعة علينا، لم تكن تفسد علينا الفرحة بملابس العيد.

يضحك أولادى عندما أقول لهم ذلك، فهذا الجيل يشترون الملابس الجاهزة، وبالمقاس المناسب تماما، والذى لا يتأثر بالغسيل، ولا ينتظرون ملابس العيد، فهناك ملابس جديدة فى كل المناسبات.

وعندما أقول لهم إننا كنا ندخر القروش، ونأخذ العيدية من الآباء والأقارب ونذهب إلى سوق المدينة، لنستمتع بما لا نجده فى بلدتنا، فالحلوى هناك متنوعة ومبهرة، ولها مذاق خاص، وأخرى لا يمكن تحضيرها فى بيوتنا مثل الآيس كريم، الذى كنا نعتبره قمة المتعة، حتى عصير القصب والعرقسوس والخروب والمشروبات الغازية كانت بالنسبة لنا أشياء نادرة، لا نراها إلا فى الأعياد.


لم نكن نشترى الكعك والبسكويت جاهزا كما الحال الآن، فكانت أمى وبنات العائلة يتجمعن فى الأسبوع الأخير من رمضان، ويظهر السمن البلدى والدقيق والسكر والملبن والعجوة، وكل منهن لها دور فى العجين أو نقش الكعك أو وضع كرات العجين فى ماكينة البسكويت اليدوية، وأخرى تتولى تقطيع البسكويت متساويا، وترصه فى الصاجات، كل فريق يعمل بكل همة وفرح، وكنا نسعد بأن نساعدهن، فحالة الفرحة الجماعية كانت تضفى أجواء مبهجة، والروائح العطرة للعجين المخلوط بالسمن البلدى والإضافات الخاصة كانت تجعل لعابنا يسيل تشوقا للفوز بكعكة ساخنة محشوة بالعجوة أو بخلطة من القرفة والسكر أو البلح المهروس فى السمن. ويستمر فريق سيدات بيتنا وجاراتنا المسلمات والمسيحيات لعدة أيام، يخرج فى كل يوم نوعا من الكعك والبسكويت والغريبة وغيرها من المخبوزات الشهية، وكن يرسلن أطباقا إلى جارات قريبات أو بعيدات، مسلمات أو مسيحيات، فالعيد للجميع، والفرحة تحب الجماعة، وكنا نسعد بقدوم أقارب من بلدات قريبة أو بعيدة، نلهو مع أطفالهم، ونغنم المزيد من العيديات والألعاب، بعضها لم نكن قد رأيناها. ويوم العيد كانت له ملامح مميزة، والاستيقاظ فى اليوم الأول يبدأ قبل صلاة العيد التى يصطحبنا فيها آباؤنا، بعدها يتركوننا لنلهو بعد أخذ العيديات، بينما يحرصون على زيارة أقاربنا.

وعندما أقول لأولادى إن البالونات والزمامير والصفارات وضرب البمب كانت تملأ الشوارع، يبدون الاستغراب من الاستمتاع بتلك الضوضاء، لكنها كانت بالنسبة لنا مهرجانا من المتعة الجماعية، حتى تلك المراجيح البسيطة فى مدينة أرمنت أو الأقصر، التى كانت تتجمع فى أرض فضاء عند المسجد الكبير، ونتبارى بركوبها بمختلف أنواعها، ونضحك على من يخاف من سرعتها أو ارتفاعها فى الهواء.

أما عندما نجد عرضا للأراجوز فهو شيء مبهر، نجلس على الأرض لنتابع العرض بصوته المميز وقصته المضحكة، وأمام مسرحية لعادل إمام، وكان الحاوى يقدم عروضه أيضا، ويبهرنا بألعابه السحرية، وكنا على اقتناع بأنه ساحر، يمكنه إخراج طيور من جيب صغير، أو أرنب من قبعته.

أما الذهاب إلى السينما فكان شيئا خارقا، نجلس أمام الشاشة العملاقة لنشاهد أحداثا مبهرة، ونظل نحكى عما شاهدناه لأيام وأسابيع، ونتباهى بأننا شاهدنا فيلما لفريد شوقى ومحمود المليجى وغيرهما من النجوم. الآن أطفالنا يشاهدون أى فيلم فى أى وقت بكبسة زر على جهاز الكمبيوتر أو اللاب، سواء فيلما مصريا أو أجنبيا، منها الجديد والقديم، فلم تعد لديهم حاجة إلى الذهاب لدور السينما، وقطع التذاكر، واختيار المقاعد وعرض الفيلم، طالما أمكنهم ذلك وهم فى غرف نومهم، فلا أعرف هل السهولة التى يرون بها الأفلام والمسلسلات جعلتهم لا يتشوقون لمشاهدتها مثلما كنا، أم أنهم فى حال أفضل، الإجابة صعبة، ولا يمكن مقارنة تحلقنا حول جهاز الراديو لنسمع مسلسلا كوميديا أو تراجيديا أو قصص ألف ليلة وليلة بألعابهم الإلكترونية، إنه عالم مختلف كثيرا، وقد فشلت فى تعلم ألعابهم الإلكترونية ولم أجد بها المتعة التى يحسون بها. وقد لا أستغرب ذلك، وأفهم أن لكل عصر ظروفه وأدواته ومتعه، لكننا نتقاسم بعض الأشياء، فكانوا يتلهفون مثلى لرؤية المسحراتى فى بلدتنا، والذى يصر على التنبيه لموعد السحور رغم وجود الساعات المنبهة، ورنات الموبايل، لكن يبقى للمسحراتى سحره، وأناشيده وأشعاره مازال لها وقعها الجميل.

ورغم أن الزيارات فى أيام العيد أصبحت قليلة، فالأبناء يتواصلون مع الأقارب والأصدقاء عن طريق الموبايل، ويمكنهم إجراء حوارات طويلة بالفيديو، ويرسلون التهانى بالواتس لأعداد أكبر، إلا أن الزيارات المباشرة وإن كانت أكثر مشقة، إلا أن لها دفأها الخاص، وتجسيدها للعلاقات القوية، وكان آباؤنا يوصوننا بألا نقصر فى زيارات الأقارب، ولم يحبوا الهواتف، وإن كانوا يضطرون إلى استخدامها لرؤية الإخوة فى الأماكن البعيدة سواء داخل مصر أم خارجها، فهى تعوضهم بدرجة ما عن عدم رؤيتهم، لكنهم يرونها لا تغنى عن احتضان الابن أو الحفيد، فالحضن من الأب أو الجد لا يمكن أن يوجد له بديل، والتواصل عبر المنصات يرونه مسخا باردا من القرب المباشر الدافئ، بقبلة من الأب والأم على جبين الابن أو قبلة من الابن ليدى الأم والأب، ولهفة اللقاء بالأحضان الدافئة والمطمئنة لا تغنى عنها أى أدوات تواصل، وتناول الطعام معا يجعل له مذاقا خاصا ليس له مثيل ولا حتى فى أفضل مطاعم العالم، فالحب الخالص والتعبير عنه بنظرة أو مصافحة أو قبلة أو حضن شيء آخر تعجز عن توصيله كل منصات التواصل، لهذا علينا أن نحتفظ بلقاءات العيد التى تكمن فيها الفرحة والود والمحبة والدفء.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت

رابط دائم: