رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أنسنة المدن.. حلم السعادة

افترضت نظرية التقدم أن سعى المجتمعات نحو الانتقال إلى مراحل جديدة أكثر ازدهارًا يؤدى بالضرورة إلى مزيد من السعادة للإنسان. يتضح ذلك بجلاء فى أن كل المخططات التى صاغها فلاسفة النزعة التطويرية تنتقل من مرحلة إلى أخرى عبر خط تقدمى، وكأن الإنسانية لها مصير حتمى ينتهى دائماً إلى أسمى مراحل التقدم. ورغم أن نظريات التقدم قد أسلمت الروح إلى نظريات أخرى، إلا أننا قد نعاود النظر فيها من زوايا لم تكن مطروقة من قبل. من ذلك مثلاً القول إن التقدم يرقى بالمجتمعات فى مظاهرها المادية، فيأخذ العمران ثوباً قشيباً، ويتزين بمظاهر كثيرة تدل على أن الإنسان المعاصر قد ارتقى بنفسه كثيرًا عما كان عليه منذ قرن أو أكثر من الزمان. ولكن هذا الارتقاء فى الجوانب المادية قد لا يتواكب مع الارتقاء فى مستويات السعادة والأمن والاطمئنان. فالتقدم قد لا يحقق للإنسان بالضرورة ما يصبو إليه من سعادة وما يرجوه من سكينة.

وعلى هذه الخلفية بدأ علماء الاجتماع ينظرون فى أحوال المدن المعاصرة، ويطرحون أفكارًا جديدة حول مستقبل المدن، وما تحققه للإنسان من سعادة وعيش مستقر. ولقد تمحورت هذه الأفكار حول مفهوم روجت له المنظمات الدولية المنشغلة بشئون المدينة، وتلقته الدوائر الأكاديمية باحتفاء شديد؛ فأصبح مفهومًا أكثر ذيوعاً فى درس عمليات التحضر المعاصرة، وهو مفهوم «أنسنة المدن». ويعكس المفهوم معنى صادماً للوهلة الأولى، حيث يطرح السؤال: هل فقدت المدن إنسانيتها، أم أنها على مشارف أن تكون كذلك؟ وبالتالي: ما هى مظاهر القلق التى تجعل طرح السؤال ممكناً؟

يفترض فى المدينة أن تلبى حاجات سكانها، ومتطلبات حياتهم، وأن تخلق لهم من الفضاءات وأماكن السكن والترفيه، ما يتوافق مع حياتهم وأنشطتهم اليومية وما يحقق بينهم اندماجًا يعبر عن هويتهم. ويمكن القول إن المدن التقليدية القديمة قد حققت هذه الوظيفة إلى حد ما. فقد كانت جلها مدنًا صغيرة الحجم، منخفضة الكثافة السكانية، مترابطة الأواصر. لقد أدت التغيرات المعاصرة التى ارتبطت بسرعة التدفقات التكنولوجية والبشرية والفكرية إلى إحداث تغيرات هائلة فى أنماط العمران الحضري. لقد أصبحنا الآن نعيش فى مدن تختلف فى أنماط عمرانها ومستويات تحضرها، ولكنها تشترك جميعاً فى أنها تشكل نمطاً عمرانياً معقداً من مبان شاهقة الارتفاع، شبكات من الطرق المعقدة، أحياء تجارية معولمة، دواوين حكومية رسمية مبثوثة هنا وهناك، مقاه ومطاعم، مسارح ودور سينما، تدفقات من البشر الداخلين إلى المدينة والخارجين منها، أصوات وضوضاء وجلبة تأتى من فاعلين لهم أهداف ومشارب مختلفة، جرائم وانحرافات، تباينات بين فئات تسكن فى مناطق هادئة على أطراف المدينة وأخرى تعيش حالة من الاكتظاظ السكانى والتدنى العمراني. ولقد كان من الطبيعى أن يتأمل المتخصصون فى العلوم الاجتماعية والتخطيط الحضرى هذه المشاهدات، وأن يطرحوا على أنفسهم أسئلة مهمة: ما الذى حدث للمدينة المعاصرة، ما أهم المظاهر السلبية فى الحياة الحضرية المعاصرة، وماذا عسى أن تكون الحلول لهذه السلبيات؟ ولاشك أن كل مظاهر التقدم التى شهدتها المدن قد حققت للإنسان سهولة ويسرًا فى سبل العيش، ولكنها فرضت عليه قيوداً لم تكن تعرفها المدينة القديمة. لقد حطمت المدن المعاصرة علاقات المكان والزمان. فأصبح المكان فضاءً متسعاً لا يطؤه الإنسان بقدمه ولكن بأفقه العقلى، ورغم اتساع المكان الممتد فى الأفق العقلى، فإن المكان الذى يسكنه قاطن المدينة أصبح ضيقاً يكتم الأنفاس. كما اتسع الزمان، ولكن رغم اتساعه فإنه يسرع الخطى، فيمضى الوقت على قاطن المدينة وكأنه ناقل للحركة فى ماكينة عملاقة. ولقد أدى ذلك إلى حالة من الابهام الحضرى، أقصد بذلك الغموض وعدم اليقين الذى يسم العلاقات الحضرية السريعة. لقد تسربلت هذه العلاقات بقدر كبير من الاغتراب؛ وبقدر كبير من عدم الثقة. لقد تحللت الرابطة الاجتماعية، وتحولت المدينة إلى مكان متعدد الثقافات، والطبقات، والهويات. لم تعد ملكاً لأصحابها، بل أصبحت ملكاً لخبراء من المطورين والسماسرة والقائمين على إدارة شئون المدينة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بل أصبحت ملكاً لرجال الإعلام الذين يحولون ثقافة المدينة إلى ثقافة جماهيرية ترهق ساكن المدينة بسيل من الرسائل المضمرة فى صور البث الإعلامى المختلفة. ولقد تفاقم الأمر بعد التطورات الهائلة فى شبكات الاتصال الرقمى ووسائل التواصل الاجتماعى التى فككت الأسرة من الداخل، وحولت الحياة إلى شذرات من الفردية والتقوقع حول الذات. ويبدو أن كل ذلك أفقد المدينة إنسانيتها، إذ تتحول إلى كتل صماء غير ناطقة، لا يستطيع الإنسان أن يتحرك فيها إلا عبر مساعدة الآلة (السيارة التى تنقله وجهاز الهاتف الذى يدله على الطرق المعقدة). وإزاء هذا الظرف يحق للفلاسفة ورجال الاجتماع والمخططين الحضريين أن يحلموا بأنسنة المدينة، أقصد إعادة الاعتبار للفرد، وللعلاقات الشخصية الدافئة، والعمل المريح اللائق، والحياة الهادئة التى تنبض بالسعادة والبهجة. ولاشك أن مثل هذا الهدف يشكل طموحاً بعيد المنال، فكيف السبيل إليه فى ضوء ظروف أخرى لم نشر إليها ترتبط بعمليات التهميش والاستبعاد والفقر والاكتظاظ السكانى داخل المدن، بحيث تبدو المدينة، أو عدد كبير من سكانها على أقل تقدير بحاجة إلى الطعام قبل السعادة، وإلى تسكين نداء المعدة قبل السعى نحو بهجة الوجدان. ومع ذلك يبقى الأمل كبيراً فيما يطرحه المخططون حول أنسنة المدن، بالدعوة إلى الحياة التشاركية الأليفة، وصياغة علاقات إيجابية ودافئة عبر المكان والزمان، وإعادة الاعتبار إلى نظم العمران القديمة، والتوسع فى إنشاء المدن الصغيرة على مساحات ممتدة خارج المدينة، والتوسع فى الفضاءات العمومية، وإعادة النظر فى أماكن العمل ونظم الإدارة. كل هذا يفتح الآفاق نحو الأمل فى إمكانية أن تكون مدينة المستقبل أكثر قدرة على أن تعيد للإنسان سعادته. قد يكون الهدف بعيداً، ولكن يظل الأمل دائماً مصدراً للسعادة.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: