رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الدراما المصرية.. الريادة مستمرة

كان الشعر ديوان العرب، حيث كان الشعراء يأتون من جميع أرجاء الجزيرة العربية إلى سوق عكاظ، الذى استمر من الجاهلية حتى 129 هجرية، لينشدوا الشعر شهرا فى كل سنة، حيث الموسم التجارى والثقافى فى الطائف، والديوان معناه الكتاب أو السجل، لأن الشعر كان له دور غير مباشر فى تسجيل كل ما يتعلق بحياة العرب من أحداث وعادات، وكان للشعر مكانته وكان الشعراء لهم حظوة ومكانة، والكثيرون يسمعون ويحفظون الأشعار ويتناقلونها.

وبظهور القصة والرواية، انتقل «ديوان العرب» إلى تلك القوالب الأدبية، الأكثر شرحا وتفصيلا للأحداث، والتى عكست جوانب الحياة المختلفة، ثم ظهرت الدراما الإذاعية مع ظهور الراديو، وكانت المحطات الإذاعية تتبارى فى عرض المسلسلات القصيرة والطويلة، الكوميدية والتراجيدية والبرامج، فصارت ديوان العرب، وكان شهر رمضان الموسم المفضل للتبارى فى عرض المسلسلات، واتجه إليها كبار الفنانين المسرحيين، وقدموا أنواعا مشوقة من المسلسلات، فكانت محطات البرنامج العام والشرق الأوسط وصوت العرب تعد وجبات متنوعة لأشهر الكتاب والفنانين الذين يعدون تلك الوجبات، وكانت محطات الإذاعة أوسع الأبواب للانتشار، خاصة فى شهر رمضان الكريم، حيث جهاز الراديو يحتل المكانة المتميزة، وتتحلق حوله الأسرة، ويلاحق أفرادها المسلسلات، لا يمكننى حصرها، وإن كنت أتذكر بعضها، منها مسلسل ألف ليلة وليلة، وحكايات شهرزاد بصوت الفنانة الراحلة زوزو نبيل، وموسيقاها الساحرة، وأحداثها الغريبة والمشوقة، التى تطلق عنان الخيال، وكان للكوميديا نصيبها الدائم، ومنها مسلسلات فؤاد المهندس وشويكار ومحمد رضا وغيرهم من مشاهير الكوميديا، والمسلسلات الاجتماعية، مثل سمارة، والشك يا حبيبى والحب الضائع وأفواه وأرانب وغيرها الكثير، ليبدأ التليفزيون فى سحب البساط تدريجيا من الإذاعة، ويصبح النافذة الأولى للدراما، واستطاعت الدراما التليفزيونية أن تحتل المكانة الأكثر انتشارا وتأثيرا، منذ أول مسلسل فى مطلع الستينيات «هارب من الأيام»، ويتحول شهر رمضان إلى أكبر مواسم الدراما، واصبح يعرض عشرات المسلسلات فى الموسم الواحد، ولدينا قائمة طويلة من المسلسلات التى حفرت مكانا بارزا لها فى وجداننا، لتؤكد أن الدراما ديوان الحياة بكل ما فيها من مشكلات وأمنيات، وسجل لأهم الأحداث وإنعكاساتها، فأصبحت بحق المرآة الأكثر صدقا للحياة بكل تعقيداتها ونجاحاتها وانكساراتها، مثلما احتلت مكانتها المعبرة عن الهوية المصرية، تنقل ملامحها من جيل إلى جيل، مسجلة كل ما يطرأ عليها من تعديل، أو لنقل من حداثة، تفاعل فيها الإرث القيمى مع الجديد والوافد، وظلت للهوية المصرية ملامحها، وسماتها المميزة فى كل العصور، وظلت أعمال درامية قديمة قادرة على جذب المشاهدين الذين لا يملون من عرضها، وأصبحت أعمالا عابرة للزمن، منها مسلسلات الشهد والدموع، والوتد، والمال والبنون، وعصفور النار، ورحلة أبو العلا البشرى، وليالى الحلمية، وزيزينيا، والراية البيضاء وأبنائى الأعزاء شكرا، ودموع فى عيون وقحة، ورأفت الهجان، ولن أعيش فى جلباب أبى، وذئاب الجبل، وحديث الصباح والمساء، وضمير أبلة حكمت، والكثير والكثير من الأعمال التى لا يمكن لذاكرتى حصرها، والتى كانت بحق حاملة للقيم المصرية، ومعبرة عن الهوية وسجلا حيا لما لحق بحياتنا من متغيرات وأحداث.


وفى الموسم الحالى وجدت وجبات متنوعة وثرية للغاية من الأعمال الدرامية المتميزة، وكل منها له مذاقه، وتشمل مختلف أنواع الدراما، من التاريخية إلى الاجتماعية بتنويعاتها ومختلف جوانبها الثرية إلى الكوميديا ومبارياتها التى تتناول تناقضاتنا ومفارقاتنا فى قالب قادر على انتزاع الضحك، مع الكشف عما يتناوله الواقع من تركيبات اجتماعية ونفسية وأحداث مفاجئة، وعندما سألت عددا من أصدقائى ومن الصحفيين المتخصصين فى النقد الفنى، وجدت تباينا كبيرا فى آرائهم حول الأفضل، وأجد حماسا لبعض الأعمال من بعضهم، وآخرون يتحمسون لغيرها.

ووجدت أن هذا التباين الحاد فى مواقع التواصل الاجتماعى أيضا، فمن يرون أن مسلسلا ما هو الأفضل بلا منازع، تجد أمامه عشرات الأعمال الموصوفة بأنها الأفضل دون منازع، واحترت من هذا التباين الكبير فى الآراء، وكلما طلبت من أحد أصدقائى أو أقاربى ترشيح عدد من المسلسلات التى يرى أن لها أولوية المشاهدة، أجد صديقا أو قريبا آخر يرشح لى قائمة أخرى، ولأن الوقت لا يسعفنى فى مشاهدتها جميعا، فقد قررت أن أعمل بنصائحهم جميعا، وأن أشاهد جميع المسلسلات طوال العام، أو أخصص عدة أيام لمشاهدة تلك الأعمال، لأنها بالنسبة لى ولغيرى ليست مجرد مسلسلات للاستمتاع والتسلية بل وسيلة لرصد بعض التغيرات فى المجتمع المصرى، وما شاهدته من حلقات فى عدد من الأعمال تؤكد أنها دسمة وجادة، حتى الكوميدى منها، لها رسائلها ومضمونها وتأثيرها، لكن أكثر ما لفت نظرى كان هذا العدد الكبير من النجوم الشباب الجدد، وعدد من الكتاب والمخرجين إلى جانب نجومنا الكبار الأكثر شهرة، وهذا يؤكد أن الدراما المصرية ولادة وبخير، وبأنها تقدم قضايا حديثة، وتنقل نبض المجتمع، وأخرى تقدم لنا خليطا من تاريخنا المضيء والمليء بالمعارك والملاحم، وتلقى الضوء على الماضى مرتبطا بالحاضر، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وأخرى تلقى المزيد من الضوء على مواجهات أبطالنا للمخاطر التى تعرضنا لها خلال العقد الماضى، والتى ماتزال آثارها باقية، وكيف استطعنا تجاوزها، وفهم ما حدث بعد أن هدأت الأتربة والرياخ وأدخنة المعارك وركام الشائعات والمغالطات، لتكون الدراما قد وضعت أمامنا رؤية أكثر قربا من الواقع، واستطاعت كشف ما غاب علينا، ولهذا استحقت أن تحمل لقب «ديوان الحياة المصرية»، وتستحق جميعها المشاهدة والتأمل، وكذلك النقد البناء الذى لا يقف عند حدود تصيد خطأ هنا أو اعتراض على لفظ أو سلوك لأحد الأبطال أو الممثلين، أو يغرق فى الخلافات حول حق الفن فى تناول التاريخ برؤية قد لا تتفق بمجملها على الأحداث التاريخية، أو اعتراض على تقديم صاحب مهنة بشكل سلبى، وكأنه أساء للكل، وهذا النوع من النقاشات قد لا يفيد كثيرا، لأن المهم اختيار النص الجيد، والأداء الذى نشعر بصدقه، والقدرة على جذب المشاهد وإقناعه، والاستخدام المهنى المحترف لأدوات العمل الفنى من ديكور, وإضاءة وتصوير وموسيقى وغيرها من العناصر التى تسهم فى تقديم العمل وتوصيل رسالته، وهذا النوع من النقد سيجعل الدراما المصرية أكثر نجاحا وجاذبية، وتستحق المشاهدة أكثر من مرة، لتؤكد دورها الريادى فى كونها «ديوان حياتنا» بكل ما فيها من تنوع وثراء.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت

رابط دائم: