منذ أن عرف الإنسان المجتمعات والأسرة المصرية تحمل منظومة قيم متجذرة ، وأحد أهم سمات تلك القيم كانت ومازالت سمة الارتباط بالأرض، فالمصري متمسك بالبقاء في أرضه، وكان يميزها منذ القدم باسم «كيميت» أي الأرض السوداء، التي تختلف عن باقي الأراضي المحيطة الرملية الصفراء، لكن النيل حول أرض مصر إلى اللون الأسمر، بما حمله من طمي تجمع من قمم الجبال وخلال رحلته الطويلة، ويمكن أن يكون لهذا التمسك الشديد بالأرض بعض العيوب، فالمصري لم يكن يحب الهجرة، فهو يرى أن بلده أفضل بلاد الدنيا، وإذا اضطر إلى مغادرته يظل الحنين يكبر داخله، وأثناء عمله في الخارج لا يفكر إلا في العودة، ويمكن أن يضغط على نفسه، ويقلل من استهلاكه حتى يمكن أن يعود في أسرع وقت، وبأكبر كمية من المدخرات، لأنه لا يجد قيمة للإنفاق خارج بلده.
ويصاب بعض المصريين بمرض الحنين إلى الوطن أكثر من غيرهم، وقد رأيت أشخاصا عادوا من بلدان خليجية وأوروبية ثرية، وتركوا عائدا كبيرا لأنهم لم يتحملوا ترك بلدهم، رغم ما تكبدوه من عناء ليحصلوا على تلك الفرصة للعمل في الخارج.
وقد يرى كثيرون أن عشق المصريين لبلدهم نوع من العنصرية، لكن الأمر ليس كذلك، فهم يعرفون أن الآخرين لهم نفس الحق في العيش بوطنهم والارتياح فيه، ويحن المصريون للعودة إلى بلدهم عندما يكبرون في السن، ويوصون بالدفن في بلدهم، بل قريتهم، وفي مقابر عائلاتهم، بينما نجد في دول اسكندنافية أن المتوفى يمكن أن يظل لأسابيع مجمدا في ثلاجة، حتى تتفق أسرته على موعد الدفن المناسب لكل فرد فيهم، لأن انشغالاتهم بأعمالهم لها الأولوية على حضور الدفن.
هذا اختلاف ثقافات، لا نلوم عليه الآخرين، وليس تعاليا منا، فالتمسك بالأرض وسرعة الدفن من عاداتنا القديمة. كما تتميز الأسرة المصرية بالتماسك الشديد، وكانت الأسرة الممتدة أفقيا أكثر شيوعا في الماضي القريب، حيث كان الإخوة يتشاركون مع زوجاتهم وأطفالهم في زراعة أرض غير مقسمة، تعود لهم جميعا، وبيت العائلة يضم الإخوة جميعا، لكل منهم غرفة أو غرفتان، ويتناولون جميعا نفس الطعام، ويعيشون نفس المستوى، ولأطفالهم وزوجاتهم حقوق متساوية، ومع تراجع الأسرة الممتدة أفقيا، وتنامي الأسرة النووية التي تتكون من أب وأم وأطفال، سنجد أنها أسرة ممتدة أفقيا، بمعنى أن الأولاد ( بنين وبنات ) يظلون على ارتباط قوي بالأسرة، وليس مثل دول أوروبية وأمريكية وآسيوية يترك فيها الأبناء الأسرة بعد عمر يناهز 18 عاما، ويدبر أموره بنفسه، سواء بالعمل أو الاقتراض من أجل إكمال دراسته، بينما تظل الأسرة المصرية مسئولة عن أبنائها، ليس فقط حتى إكمال الدراسة الجامعية، بل الزواج الذي يتحمل فيه الآباء القسط الأكبر، ثم يشاركون في إعالة الأحفاد، وتظل الأسرة على تماسكها بين أجيال متعاقبة، تسودها روح المودة والتكامل.

هذه السمة للأسرة المصرية جعلتها حاملة القيم وناقلتها من جيل إلى جيل، وحتى الأسر التي تباعد أفرادها لأسباب مثل العمل أو الدراسة، فإنها تظل موجودة، لها مكانها في بيت العائلة، وهناك مناسبات دينية واجتماعية لا يمكن إلا أن تتجمع فيها العائلة، مهما كبر أبناؤها، وأينما ابتعدوا، وشهر رمضان وعيد الفطر من أهم تلك المناسبات، ويتشاركون الإفطار والسحور على الأقل في الأيام الأولى، ثم يكون تبادل الزيارات، التي تصبح كأنها دائرة لا تنتهي، لتظل الجماعية والتماسك عنوانها.
وكنت في مقتبل عمري أفرح لرمضان والعيد لأني سأرى فيهما إخوتي وأقاربي الذين غادروا البلدة، فتصبح الفرحة أفراحا، والاستقبال حافلا، ونظل نستمع إلى قصصهم وحياتهم في بلاد كنا نراها بعيدة، ونتعرف على الاختلافات في اللهجات والتسميات والعادات، بعضها نتقبلها وأخرى نستهجنها ونستغربها. ولا تظن أن هذا التمسك المصري المتوغل في القدم قد جعل المصريين معزولين عن الخارج، ولا يتفاعلون معه ولا يحبونه، فالمصريون بحكم جغرافيتهم قد تفاعلوا مع حضارات ودول أخرى، وتعرضوا إلى الكثير جدا من الغزوات، من الهكسوس سكان الشام في ذلك الوقت إلى الإغريق والرومان والفرس والليبيين والعثمانيين والمماليك وحتى الفرنسيين والإنجليز، وكانت مصر وكأنها دولة كونية فيها أقوام من شتى بقاع الأرض، وليس غريبا أن تسمع أسماء أشخاص يحملون كنية بلدهم، مثل الكردي والدغيدي والشامي والسوداني والحبشي والتونسي والمغربي وغيرها الكثير جدا من الأسماء المقرونة ببلدان جاء منها أجدادهم، لكنهم أصبحوا مصريين قلبا وقالبا، ولا يمكن أن تباري بيرم التونسي مثلا في حبه لمصر أو أمير الشعراء أحمد شوقي أو نجيب الريحاني أو المخرج محمد خان وغيرهم كثيرون لا تستطيع تمييزهم، بل قد تندهش عندما تعرف أن أصولهم غير مصرية وكانت إحدى سمات مصر أنها تستطيع هضم الجميع حتى الغزاة الذين جاءوا لاحتلالها؛ لأن معدتها الحضارية القوية قادرة على إذابتهم بعصارتها الفكرية والروحية فيصبحون جزءا منها، بدلا من أن تصبح هي جزءا منهم، ولهذا وجدنا محتلين يعلنون تمصرهم، واعتناقهم أديان المصريين على مر التاريخ وهكذا تداخلت الحضارة المصرية وأثرت وتأثرت بما حولها، تأخذ منها ما يصلح وتلفظ ما لا تستطيع تقبله، وكانت الأسرة المصرية بسماتها القوية ومنظومة قيمها المغروسة في طمي النيل الأسمر حامية تلك القيم، وحارسها الأول دون جمود ولكن أيضا دون تقليد أعمى، أو تقبل ما لا ترضاه أو تجده منسجما معها لهذا ظلت سبيكتها القيمية متجانسة، رغم كل ما مر عليها من تقلبات؛ لأنها ظلت محتفظة بقوامها الذي جعلها أقدم دولة في العالم، لم تتغير حدودها إلا نادرا، ولهذا ظلت للهوية المصرية ملامحها المتميزة، وحملت في طياتها عناصر ثقافية من مختلف الحضارات، استطاعت هضمها وتمثلها وأصبحت جزءا من هويتها المتجذرة والمتطورة المتفاعلة مع الآخرين.
لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت رابط دائم: