رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«كتف بكِتف»...المعنى العميق للتضامن

لقد أكد الفلاسفة القدماء أن الإنسان كائن اجتماعى بطبعه، أى أنه لا يستطيع أن يعيش إلا مع الآخرين،ولا يحيا إلا بهم. فبدونهم لا يستطيع أن يؤسس أى شكل من أشكال العمران. فإذا ما ترك الإنسان وشأنه فلن يتعلم اللغة، ولن يتعلم أساليب التعامل التى تعرفها المجتمعات؛ ذلك أن المجتمع هو الذى يضفى عليه الطابع الإنساني. ولقد أكد ابن خلدون هذا المبدأ، وصَوَّرَ العمران الإنسانى على أنه نموذج للتبادل والتعايش والتعاون، حيث كتب منذ نيف وثمانية قرون يقول: إن اجتماع البشر ضروري... وإن قدرة الواحد من البشر مقصورة على تحصيل حاجته من الغذاء... فلابد من اجتماع القدر الكثير من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم...كما أن الواحد من البشر لا تقاوم قدرته الواحد من الحيوانات العجم...فهو عاجز عن مقاومتها وحده بالجملة...فلابد فى ذلك كله من التعاون عليه بأبناء جنسه... ومالم يكن هذا التعاون لا يستطيع الإنسان أن يحصل على الغذاء، وأن يدافع عن نفسه، فيكون فريسة للحيوانات (المقدمة، ص 42). ويكشف هذا النص الرائع لابن خلدون عن دراية عميقة بجوهر تكوين المجتمع، الذى يكون اجتماعيا وتعاونيا بالضرورة، حيث يعجز الفرد الواحد عن سد حاجاته، كما يعجز عن الدفاع عن نفسه بمفرده، إنه بحاجة إلى الآخرين لكى يستقيم للعمران شأن.

على هذه الخلفية نستطيع أن نفهم جوهر المبادرة الرئاسية الرفيعة المستوى، التى تدعو جموع البشر فى بر مصر إلى أن يصطفوا كتفًا بكتف من أجل مواجهة جمعية يتحمل فيها الفرد مسئولية الغير ويعمل من أجله، يساعده وقت الحاجة، ويمد له يد العون عندما تتكاثر عليه مشاق الحياة، يكفكف دمعه إذا بكى، ويربت على كتفه ليبث له الاطمئنان. فعندما يكون الكتف بالكتف يتدفق العون والعطاء والمعروف من القوى إلى الضعيف ومن الغنى إلى الفقير ومن المتعلم للأمي. ولا يجب أن نفهم هذا النوع من التكافل على أنه تكافل مادى يرتبط بتقديم الغذاء أو الكساء فقط، بل يجب أن يبنى على فكرة عميقة ذات أبعاد معنوية ورمزية. حقيقة أن مثل هذا التكامل قد يبدأ بشكل مادى، فى صور تقديم عون مادى للمحتاج، ولكن الأمر يجب ألا يفهم على هذا النحو بحال من الأحوال. فهذا الشكل المادى ما هو إلا تجسيد لمعان أعمق، وهو أجلَّ من أن يفهم على نحو مادي. وبامكاننا أن نشير إلى معان خمسة نحسب أنها تشكل الجوهر العميق للتضامن الاجتماعى الذى تؤطر له المبادرة.

يرتبط المعنى الأول بنوعية الاصطفاف الذى ننشده فى بناء المجتمع. ثمة نوعان من الاصطفاف يعرفها العمران البشري. الأول هو الاصطفاف الرأسى الذى يمايز بين من هم أعلى ومن هم أدنى. وتلك حقيقة من حقائق العمران صنعها الإنسان بيده عبر أساليب تاريخية معروفة. أما جوهر العمران وأصله فإنه يكمن فى الاصطفاف الأفقى الذى يقف فيه كل فرد فى المجتمع بجانب أضرابه من أعضاء مجتمعه، الكتف بالكتف، والقدم بالقدم، فى كتلة متماسكة قوية لا يفت عضدها عدو، ولا يقلل من تماسكها مشقة أو حرمان. إن هذا النوع من الاصطفاف يؤطر لشعور عام بأن الاصطفاف الرأسى لا معنى له، ولا قيمة، إنما القيمة الأصلية الباقية هى قيمة المساواة العمومية، التى يشعر كل مواطن من خلالها بأن حقوقه مثل حقوق الآخرين، وأن كرامته من كرامة الآخرين.

أما المعنى الثانى فإنه يرتبط بالشعور العميق بوجود الآخر. فعندما يكون الاصطفاف أفقياً، ومتضاماً على نحو كبير، فإن وجود المرء لا يتحدد إلا بوجود الآخر عن يمينه وعن يساره. فالآخر يوجد حيث نولى وجوهنا، ولا يتحدد هذا الآخر بموقعه الطبقى أو بمكانته فى المجتمع، بل يتحدد فى ضوء وجوده الذاتى، وجوده الفردى بوصفه إنساناً، مواطناً يشارك الآخرين فى أفراحهم واتراحهم. إن الشعور بالآخر يجعل الآخر يتمدد داخل الأنا، ويجعل الأنا تتمدد داخل الآخر، فتصنع ذات البين التى تتسم بالصلاح والاستقامة.

ويقربنا هذا الشعور بالآخر من المعنى الثالث الذى يتصل بإدراك معنى الكرامة الإنسانية فى عمقها وأبعادها الاجتماعية والثقافية. فالاصطفاف الأفقى الذى يتولد عن تكاتف وتساند يؤدى إلى نتيجة مهمة، مفادها أن الكرامة لا يمكن أن تتجزأ، ويجب ألا توزع على نحو صفرى غير عادل، بحيث يمتلك البعض الكرامة ويحرم منها البعض الآخر. على العكس من ذلك، فإن الكرامة كل لا يتجزأ، وهى ترتبط بمبدأ إنسانى عام بأن كل إنسان يوجد على ظهر الأرض يجب أن يتمتع بالكرامة، ومن ثم فإن جهد المواطن يجب أن يتجه دائماً نحو دعم كرامة الآخرين، والعمل على أن تكون هذه الكرامة كاملة غير منقوصة. فالاصطفاف الأفقى المؤسس على مبادئ إنسانية يبعث فى النفوس طاقة أخلاقية كبرى، ويفرز مواطنين صالحين يعرفون أن السعى نحو الانبعاث الأخلاقى هو أحد المساعى الجوهرية فى الحياة إن لم يكن المسعى الأوحد الذى تتفرع عنه كل المساعي.

ويؤدى الانبعاث الأخلاقى إلى معنى رابع يتمثل فى الشعور العميق بالواجب الأخلاقى تجاه النفس أولاً، وتجاه الآخر ثانياً وتجاه المجتمع ثالثاً. وعندما يسرى الواجب الأخلاقى فى النفوس فإنه يعمل على تقوية الرابطة الاجتماعية، فالذات لا تفكر فى نفسها فحسب بل إن عينها لا تبتعد عن الذوات الأخرى أو عن الذات الكلية للمجتمع. وكلما اكتسب الشعور بالواجب الأخلاقى قوة، أسس للمعنى الخامس، الأكثر أهمية، وهو الشعور بالمسئولية الاجتماعية؛ هذا الشعور الذى يحوله الاصطفاف الأفقى إلى قيمة عمومية، يتم بناؤها عبر عمليات التنشئة الاجتماعية بحيث يشب الأطفال وهم يعرفون أن وجودهم لا معنى له إلا إذا كان يحمل شعوراً عميقاً بالمسئولية تجاه المجتمع.

وأخيراً فلعلى قد وفقت فى أن أقدم فهماً أخلاقياً لما نسعى إليه فى بلدنا العزيز من أن نقف معا فى مواجهة أزماتنا، وأن نتمثل الدرس الأعمق للتضامن الاجتماعى الذى يتجاوز المعانى المادية الضيقة إلى المعنى الأخلاقى والإنسانى الأوسع.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: