مع عدد سكان لا يزيد على ثمانية ملايين ونصف المليون وكيان اتحادى موزع إداريا بين 26 مقاطعة (كانتون) تتفاوت من حيث المساحة واللغات الرسمية الأربع: الألمانية والفرنسية والإيطالية والرومانش إلى جانب الإنجليزية كلغة أجنبية تعتمدها الهيئات الدولية، وهو ما يجعل من الاعتماد على العمالة الأجنبية ضرورة لابد منها، مع إقبال من الجيران على الارتحال لمدد طويلة وقصيرة تجاه سويسرا الجذابة بمرتباتها الأعلى مقارنة بما هى عليه فى البلدان المجاورة.
وطبقًا لبيانات المتنقلين ما بين الحدود الصادرة عن مكتب الإحصاء الاتحادي، ارتفعت نسبة الأجانب المقيمين لتصبح من أعلى النسب فى العالم، كما تضاعفت أعداد العمال الحدوديين منذ مطلع الألفية الثالثة، أغلبهم من الذكور، وقد شهدت السنوات الخمس الماضية ما بين 2016 ونهاية 2021 ارتفاعًا بنسبة 15.6٪ على الرغم من حظر التنقل بين سويسرا وجيرانها فى أثناء جائحة كوفيد-19 ما بين مارس 2020 ويونيو 2021، والتى أعقبها ارتفاع الأعداد مرة أخرى بنسبة 26% لعام 2022، ليحتل الفرنسيون المرتبة الأولى للعمل فى القطاع الفرانكفونى يتركز أغلبهم فى جنيف، يليهم الإيطاليون من القطاع المتاخم للحدود السويسرية-الإيطالية ويتمركزون فى تيتشينو، وكذلك الألمان الذين يعملون فى القطاع الألمانى السويسرى وأغلبهم فى بازل وبرن العاصمة الإدارية، وزيورخ مدينة المال والأعمال التى تعد أعلى المدن السويسرية كثافة من حيث عدد السكان.
وتشكل العمالة اليومية الزائرة التى تقطع الحدود ما بين سويسرا وجاراتها ظاهرة تنفرد بها البلاد التى تقدم لموظفيها وعمالها رواتب تتجاوز ضعف ما يحصلون عليه فى بلدانهم التى ترتفع فيها نسب البطالة التى تدفعهم للبحث عن فرص تنافسية. وهم يشكلون فى الوقت نفسه مصدرًا مهمًا لضرائب المقاطعات السويسرية المستقلة إداريًا واقتصاديًا، والتى تفرض ضوابط من بينها اشتراكات التأمين الصحى الباهظة ورسوم الحصول على تصاريح الإقامة (جي)، حيث لا تعد سويسرا عضوًا ضمن دول الاتحاد الأوروبي، وإن كانت ملتزمة فى الوقت نفسه بحرية تنقل الأشخاص واتفاقيات للعمل بين الدول الأعضاء الذين يأتون فى صدارة الجنسيات المسموح لهم بالعمل، ويأتى بعدهم الإنجليز والأمريكيون، ولا ينفى ذلك وجود الآلاف من العاملين الأجانب فى السوق السوداء دون أوراق رسمية، وأغلبهم من دول أمريكا اللاتينية وشمال إفريقيا، ممن يقبلون أجورًا متدنية قد تصل إلى ربع أو نصف الأجر حيث يعملون فى المهن المرفوضة فى قطاع الخدمات المنزلية والمطاعم ومزارع العنب.
وتستقبل مقاطعة جنيف وحدها يوميًا عشرات الآلاف من العمال الحدوديين من الجارة فرنسا ممن يشغلون وظائف فى مجالات الطب والتمريض والتعليم والبناء والتجارة، فضلًا عن موظفى النقل والمواصلات والهيئات الدولية فى جنيف البالغ مساحتها 283 كيلومترًا مربعًا، وتحتفظ بحدود مشتركة لا يتجاوز طولها عشرة كيلو مترات مع جارتها مقاطعة فو السويسرية، فى الوقت الذى تتشارك فيه مع فرنسا بحدود مشتركة على امتداد نحو 105 كيلومترات أغلبها على البحيرة المسماة ليمان فى فرنسا وجنيف فى سويسرا، وهو ما يعكس نزاعًا له جذور تاريخية نتيجة مناوشات وخلافات وصلت إلى حد غزو القوات الفرنسية الكاثوليكية للجارة جنيف التى كانت معقل عالم اللاهوت الفرنسى جون كالفن مؤسس الدعوة البروتستانتية (المولود فى نويون الفرنسية باسم جيان كوفان عام 1509 والمتوفى فى جنيف عام 1564). وبهزيمة نابليون فى 1815 وتحييد سويسرا، ركز السويسريون على استقرارهم وتنمية قوتهم الاقتصادية بالاعتماد على العمالة الحدودية كما هو الحال مع صناعة الساعات فى إقليم جورا الحدودي. كما استفادت جنيف المدينة الدولية من سواعد الجيران من إيطاليا وفرنسا الذين عانوا النبذ والتهميش. ومازال الأمر يظهر على السطح من وقت لآخر فى صورة نقاشات جادة تصل إلى الجدل والنزاع ما بين الأحزاب ذات التوجه اليمينى المحافظ المناهض للعمالة الأجنبية والأحزاب ذات التوجه اليسارى الاجتماعى فيما يتعلق بمخاوف المنافسة فى سوق العمل وحرمان المواطنين السويسريين من الحصول على بعض الوظائف أو نقص الرواتب، فضلًا عن مشاكل تتعلق بالنقل والمواصلات والطرق والمرور والتلوث والضرائب المزدوجة أو التهرب منها فى بلدانهم، ومشكلات التهريب الحدودية لفروق أسعار المواد الغذائية والأثاث والخدمات، فضلًا عن الإيجارات المتفاوتة وأسعار وحدات التمليك.
ومازال الشد والجذب مستمرًا وهو ما يشير إلى نار تستعر فى صدور اليمينين المتطرفين لدرجة تشبيههم للغرباء فى أحد البوسترات الانتخابية فى السابق بالفئران التى تغزو سويسرا لالتهام الجبن الذى تشتهر بصناعته.
رابط دائم: