رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«الجمهورية الجديدة» والنهضة الحضارية العربية

شاهدت حفاوة ملؤها الحب والتقدير لمكانة مصر وقائدها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حضوره المؤتمر العالمي العاشر للحكومات في دبي، ولم تكن حفاوة الاستقبال إلا تعبيرا عن تلك المكانة التي تحظى بها مصر وقائدها، والأمل الذي يراود العرب في نهضة حضارية جديدة، على أسس من المصالح المشتركة ووحدة المصير، ولأن مصر قلب العروبة النابض دائما، فلن يتحقق حلم النهضة الحضارية العربية إلا إذا حققت مصر حلمها في بناء جمهوريتها الجديدة.

وحدد الرئيس عبد الفتاح السيسي مسار تحقيق هذا الحلم بكلمات بسيطة، لكنها ذات دلالة كبيرة، واختصرها في عدة كلمات «العمل ثم العمل ثم العمل مع الصبر والتضحية» فتحقيق حلم كبير لا يمكن أن يتحقق بسهولة وفي مدى زمني قصير، وبقدر ضخامة المهام تكون التكاليف والأعباء ومن ثم الحصاد، وطموح الرئيس في تحقيق هذا الإنجاز الضخم لم يهتز أو يتغير رغم ما واجهته وتواجهه مصر من تحديات، وشرح الرئيس بكل وضوح وشفافية المسار الذي سلكته مصر للخروج بأمان من موجة الفوضى والإرهاب التي أعقبت أحداث 25 يناير 2011، والتي اعتقدت فيها الجماعة الإرهابية أنها يمكن أن تستولي على مصر إذا أسقطت مؤسساتها، بما يحمله هذا التوجه من مخاطر يمكن أن تقضي على الدولة المصرية، ولهذا انتفض الشعب المصري في مواجهة محاولتهم إسقاط الدولة، ودافعوا عنها.

ولم أسمع رئيس دولة يتحدث بكل هذه الشفافية والوضوح عن أحوال بلده، والاعتراف بفضل الأشقاء العرب في دول الخليج، وفي مقدمتهم دولة الإمارات والسعودية والكويت في تقديم العون لمصر في توقيت بالغ الحساسية والصعوبة، مشيرا إلى أن رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد وصل إلى مصر في هذا التوقيت الصعب، وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي « لم أطلب منه شيئا، لكنه كان مطلعا على الأوضاع، فقد كانت الطوابير طويلة أمام محطات البنزين ومستودعات أنابيب البوتاجاز، ولا يوجد ما يكفي من سولار وباقي مشتقات البترول، وأمر الشيخ محمد بن زايد بأن تتوجه السفن الإماراتية المحملة بمشتقات البترول، في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر إلى الموانى المصرية فورا، لتزويد مصر بحاجتها من مشتقات البترول.

وهذه اللفتة لم تكن وحيدة، بل أجرى اتصالات مع باقي الأشقاء العرب لمساعدة مصر في الخروج من تلك الأزمة الخانقة، وكانت تلك الوقفة العربية إحدى نقطتين مضيئتين في طريق خروج مصر من محنة الفوضى التي كلفتها 450 مليار دولار، أما النقطة المضيئة الأخرى فكانت وقفة الشعب المصري الصلبة، وتحمله بكل صبر تلك الأزمة، وواصل الرئيس عبد الفتاح السيسي تشخيصه الأزمات التي مرت بها مصر والسبيل إلى مواجهة تلك التحديات، مشيرا إلى الإنجاز الكبير الذي تحقق في القضاء على الإرهاب، وقال إن الإرهاب أصبح من الماضي، وانتهت تلك الحقبة السوداء التي كان يعاني منها الشعب المصري، الذي كان مستعدا لأن يجوع مقابل اجتثاث الإرهاب وتوفير الأمن، لكنه تطرق إلى أن من حركوا الإرهاب لم يتوقفوا عن محاولات عرقلة مسيرة التنمية في مصر، والرهان على عودة الفوضى من خلال إحداث فجوة بين القيادة والشعب، وبث الأخبار الكاذبة وتنظيم حملات التشويه والتشكيك وإثارة الفتن، واستخدام منصات التواصل الاجتماعي في إحداث تلك الفجوة، لأنهم لن يتركوا مصر تكمل مسيرتها، وتنعم بالاستقرار الذي يحقق التنمية والنماء، ومازالوا يتربصون ويواصلون مساعيهم الشيطانية، لكن الشعب المصري لا يمكن أن يسمح لهم بتحقيق أغراضهم الدنيئة.


وشرح الرئيس عبد الفتاح السيسي المسار، ولماذا اختار الطريق الصعب في مواجهة التحديات التي عانت منها مصر، وأصر على مواجهة شاملة ومتوازية لكل التحديات دفعة واحدة، وكان جوابه شديد الوضوح، واختصره بأن مصر لم يكن أمامها إلا هذا الخيار، فالمشكلات كانت متشابكة، ولا يمكن تجزئتها أو اختيار بعضها دون الآخر، فمصر كانت تحتاج إلى أكثر من حل جذري لعدة مشكلات أو تحديات متوازية، منها أزمة الكهرباء التي لم يكن بالإمكان تحملها، وكادت تؤدي إلى شلل واسع، ولهذا تم إنفاق نحو تريليون و800 مليار جنيه للنهوض بهذا المرفق الحيوي، سواء للحياة اليومية أو المشروعات وباقي الأنشطة الاقتصادية، وكذلك كان حال قطاع النقل، الذي تكلف نحو 2 تريليون جنيه، لأن الزحام لم يكن من الممكن تحمله، ويعيش أكثر من مائة مليون مصري على مساحة 5% فقط من مساحة مصر، مما أدى إلى تكدس شديد، ونمو سريع للعشوائيات، فكان من الضروري توسيع المساحة من 5% إلى 10% أو 12%، وهذه مهمة صعبة.

وقد ظل المصريون لآلاف السنين يعيشون فوق شريط ضيق بمحاذاة النيل، وهذا كان يمكن احتماله في وقت لم يتجاوز فيه عدد السكان أربعة أو خمسة ملايين، أما الآن فمن المستحيل أن يعيش أكثر من مائة مليون في تلك المساحة الضيقة، فكان مشروع إنشاء المدن الذكية والعاصمة الإدارية، لتكون قفزة عمرانية وحضارية، والتي سيتم الانتقال إليها في العام الحالي، ومعها سيتجدد الجهاز الإداري للدولة، الذي ظل مترهلا ومتراجعا ومكدسا بأعداد زائدة من الموظفين، بأكثر من الثلثين، لينطلق الجهاز الإداري بأفق وأداء متطور، يسهم في تحقيق التنمية وعلى أسس سليمة وسرعة في اتخاذ القرارات وتوفير البيانات، وإنهاء المعاملات، بما يقضي على البيروقراطية. وشرح الرئيس كيف يمكن توفير الأموال الضخمة اللازمة لهذا التطور العمراني، مشيرا إلى أن سعر متر الأرض لم يكن يتجاوز مائة جنيه، والآن بلغ سعره عشرة آلاف جنيه، ومن هنا يمكن توفير التمويل، وسيحقق الطلب على السكن أموالا يمكن ضخها في استكمال المشروعات، فلا فرصة أمامنا في التوسع العمراني إلا خارج الحيز الضيق بمحاذاة النيل، وتطرق الرئيس إلى مختلف المسارات الأخرى من تعليم وصحة وبيئة، ويحتاج كل منها إلى موازنات ضخمة لتحقيق الجودة المطلوبة، وأشار إلى أهمية دور القطاع الخاص في المشاركة في تلك المشروعات، وعلى رأسها الصحة والتعليم وتوفير فرص العمل، وغير ذلك من مشروعات حيوية، ولهذا لم تكن فكرة الأولويات ممكنة، لأنها ستعني ترك مشاكل أخرى كبيرة وصعبة، ولهذا كانت المواجهة الشاملة والمتوازية ضرورة وليست ترفا.

وكانت أهم نصيحة قدمها الرئيس إلى قادة الدول أن يحموا بلدانهم من الإرهاب، لأنه الخطر الأكبر الذي لا يدانيه خطر آخر، فالحفاظ على الدولة ومؤسساتها ضرورة حتمية دونها الخراب والفوضى والانهيار، وأمامنا الكثير من النماذج والأمثلة، وتجنبت مصر هذا المصير بفضل الله عليها ودعم الأشقاء لها، وصمود وتحمل الشعب المصري.

هذه البانوراما الواسعة والمختصرة في تشخيص المسار وتحديد المصير كانت محور إشادة وحديث الوفود المشاركة، والتي تمنت لمصر تحقيق أهدافها، لتكون قاطرة النهضة الحضارية العربية.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت

رابط دائم: