الشائعة الجديدة التى انطلقت الأسبوع الماضى حول بدء مصر خطوات لتأجير قناة السويس تحتاج إلى الكثير من التوقف والبحث، فالشائعة ليست عادية، ومطلقوها ليسوا مجموعة هواة أو معارضين موتورين، وإنما وراءها تنظيم وقدرات لا تتاح لأفراد، بل وراءها عقول تدبر وتخطط، ويمكن التأكد من ذلك من خلال فحص مراحل إنتاج وترويج الشائعة، فالتوقيت مهم للغاية، حيث جاءت فى ذروة الأزمة الاقتصادية، وتستهدف أكبر مؤسسة اقتصادية تملكها مصر، وهى قناة السويس، والغايات متعددة، فهى أولا تريد توصيل عدة رسائل مغلوطة، تريد بها إشاعة جو من اليأس وهز الثقة بين الشعب والقيادة، فعندما تتجه مصر إلى تأجير صرح ضخم مثل قناة السويس، فهذا يعنى أن الأزمة فى مصر ضخمة للغاية، وهذا أحد أهم الأهداف التى أرادت الترويج لها تلك الشائعة الخبيثة، لكنها أرادت تحقيق أكثر من ذلك، ومنها أن قناة السويس بكل تاريخها ورمزيتها الاقتصادية والعسكرية والتضحيات التى جرى بذلها فى حفرها وتأميمها، والحروب التى خاضتها مصر من أجلها كل هذا جرى التضحية به، ولماذا التضحية بكل ذلك؟ لا شيء تقريبا، إلا أن القيادة المصرية لا يهمها كل ذلك، وغير عابئة بكل هذا التاريخ الطويل، وتقدم القناة على طبق من ذهب إلى جهة أجنبية مجهولة، وربما جهة تتبع بشكل مباشر أو غير مباشر دولة أو دولا تثير الحساسية لدى قطاع كبير من الشعب المصري.
هنا كان التوقيت والمجال والهدف فى منتهى الوضوح، يمكن أن يضاف إليه أنه جاء عقب جدل حول الصندوق الذى تعتزم إدارة قناة السويس إنشاءه، ليكون عونا لها فى إقامة عدة مشروعات، بعيدا عن الإجراءات البيروقراطية، بما يُفعِّل من دورها الاقتصادي، وجرى استغلال طرح إنشاء الصندوق فى إثارة اللغط، سواء بحسن نية أو سوء نية، إلا أن أطرافا أرادت توظيف هذا الجدل فى دفع الشائعة بقوة إلى الأمام، ليس بصدد الصندوق فقط، ولكن لإثارة القلق حول مصير قناة السويس.
هذه الخطة الشيطانية، البالغة الخطورة والتعقيد، لا يمكن تمريرها مثل شائعات كثيرة جرى إطلاقها وسقطت، وتبين أنها مجرد أقاويل مفتعلة لا أساس لها، فهناك فروق بين أنواع من الشائعات، أهمها تلك التى تولد تلقائيا لغياب معلومات، أو لتداول معلومات خاطئة، أو فى ظل أزمات مثل ارتفاعات الأسعار، فتنطلق شائعة حول اختفاء سلعة للتأثير على سعرها، وغير ذلك من الشائعات التى جربنا وعشنا الكثير منها، لكن تلك الشائعة المتعلقة بالقناة كانت من نوع الشائعات الثقيلة فى أهدافها، والثقيلة فى الجهات التى صنعتها وروجتها، فالترويج هذه المرة لم يكن كالمعتاد، مصدره قنوات أو مواقع وصفحات تابعة لجماعة الإخوان وعدد من تابعيها أو أتباعها، وإنما جاءت من مواقع وصفحات مجهولة، ثم تلتقطها مواقع وصحف رأت أنها تتناول قضية كبيرة وخطيرة، ومنها تنتشر إلى باقى وسائل الإعلام ومواقع التواصل بكل أشكالها، لنجد شائعة واسعة، لا نعرف أولها من آخرها.

من هنا تأتى أهمية التوقف عند تلك الشائعة ودراستها واستخلاص الدروس منها؛ لأنها ربما تكون بداية موجة أكثر خطورة من الشائعات، أو جزءا من حرب جديدة تستهدف مصر فى الفترة المقبلة، وأول ما علينا فهمه هو أهداف الشائعة، التى من الواضح أنها تريد إحداث هزة فى ثقة الشعب باقتصاده وقيادته ومصيره، وتخلق حالة من انعدام الوزن وعدم اليقين، يكون من نتائجها تعرض البلاد إلى هزات اجتماعية واقتصادية أكثر عنفا، ويفكر كل شخص فى مصلحته الخاصة، ولو على حساب الجميع، لأن البلد «خربان خربان» ، وفقا للهدف الذى يريدون الوصول إليه، ولأن مثل هذه الحالة التى يريدون أن نصل إليها خطيرة، خاصة فى ظل الأزمات العالمية المتتالية التى تنعكس على كل مناحى الحياة فى أنحاء العالم، ومنها مصر بالطبع، والمتربصون يرون أن هذا التوقيت مثالى ولا يتكرر، وعليهم أن يستغلوه، فعند الأزمات تكون المعنويات فى أسوأ حالاتها، وفيها تقل قدرة المجتمعات على المحافظة على مناعتها الطبيعية، وعندما تتراجع المناعة يمكن استغلال الثغرات، وتمرير المخططات. ولهذا فإن علينا التنبه والاستعداد، فالخصوم الذين ينسجون الشائعات ببراعة من خلال أجهزة متخصصة لا يريدون لنا الخير من وراء شائعات كهذه، ولا يريدون أن ينبهوا الشعب المصرى لخطر كما يدعون، بل هم الخطر الذى يتخفى وراء دعاوى الخوف على الوطن بينما يريدون هدمه من الداخل، وهز ثقته بنفسه، وتقليب فئات الشعب على بعضها البعض، لتشق الفوضى طريقها، الذى عبَّدته بالشائعات وأجواء الفتن من جديد. هذا السيناريو المدروس بعناية وتخطيط سيكون مصيره الفشل الذريع والسريع، فليس الشعب المصرى بهذه السذاجة، حتى يصدق تلك القصة، مهما تكن براعة صناعها ومروجيها، فالكل يعرف مكانة القناة عند الشعب المصرى وقيادته، وأن القناة تتمتع بفريق لا يمكن منافسته فى حسن الإدارة، ولهذا لا يمكننا التضحية بكوادرنا التى تدربت وتعلمت واكتسبت المهارات وحققت النجاحات من أجل سواد عيون جهات مجهولة، وعلى الأقل لا تعرف شيئا عن قناتنا ومعداتها وجغرافيتها وتاريخها وارتباط سكان مدن القناة وسيناء وباقى ربوع الوطن بها. فلا يوجد بيننا مصرى إلا وقدم ما يستطيع للقناة، من وقت حفرها حتى افتتاحها والدفاع عنها إلى وقتنا هذا، وهو تاريخ طويل وحافل، ولا يمكن لغير المصريين تقديره. كما أن ثقة الشعب فى قيادته لن تزعزعها أزمة عالمية، وأوضاع طارئة لم يكن بيد أحد حدوثها أو حتى توقعها. فالاضطرابات العالمية تملأ العالم، وتهدد بلدانا عظمى، وعلينا أن نتكاتف فى هذا التوقيت، لا أن نتناحر ونزيد الأمر سوءا، وهذا ما يدركه شعبنا بغريزته وخبرته الحضارية، ويعرف أن الشائعات تعقبها مؤامرات تدبر فى الخفاء، لهذا يزداد تيقظا ووعيا عندما يرى مؤشرات مقلقة، تثير الغبار حتى يمكن استغلال انخفاض معدل الرؤية فى تدبير المكائد، لهذا علينا أن نفتح أعيننا، وأن ندقق فى كل ما يصلنا، وألا نفترض حسن النية، وأن نحلل ونرى ما وراء القصة وما أهدافها، لنتمكن من إسقاطها فى مهدها، لنمضى فى طريق استكمال مشروعنا التنموى والحضارى.
لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت رابط دائم: