رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

على عودك.. أنام وأصحى

المقعد الشاغر بجوار أم كلثوم مكث فى حضرتها ساكنًا بلا ساكنه على مدى عشرين عاما الأخيرة من عطائها محتفظا بهالة ومهابة صاحبه الراحل الذى لم يستحق أحد من بعده شغل مكانته.. أهم عازف عود فى القرن العشرين.. أمير العود محمد القصبجى.. مقعد بلا ذراعين والظهر مستقيم، وكان «قصب» كما كانت تدعوه «ثومة» يمسك برقبة عوده بيده اليسرى، وفى البدء مع استهلالة العزف تتجول الريشة الخلاّقة ما بين أصبعى الإبهام والسبابة فوق الأوتار الموحية لتصدر تبعًا للنوتة وإلهامات القريحة أجمل الألحان.. غاب عود القصبجى عن الحضور فى حنجرة أم كلثوم منذ عام ٤٢ عندما حمّلته مسئولية فشل فيلمها «عايدة» وأقنعته بأن ألحانه لم تعد كسابق عهدها لينتهى الحال بالقصبجى من موسيقار ملأ سماء الشرق بالألحان تغنت بغالبيتها أم كلثوم وشدت على أوتارها أسمهان: «فرق ما بيننا ليه الزمان» و«يا طيور» و«ليت للبراق عينًا» و«أنا اللى أستاهل» ولمأمون الشناوى «إمتى حتعرف» ولبشارة الخورى «اسقنيها» وغردت ليلى مراد «ياريتنى أنسى الحب ياريت» و«أنا قلبى دليلى» و«أكرهه وأحبه».. إلى مجرد عازف عود فى فرقة الست يعزف على عوده ألحان غيره من تلامذته مثل محمد عبدالوهاب وبليغ حمدى وغيرهما، وليظل أقصى طموحه أن يتوفى فى مقعده خلفها، وقد كان له ذلك لترافقها روحه على المسرح: يا فايتنى وأنا روحى معاك ماتقولى كان إيه وياك.. وتضيع ذكريات أولى أغانيها التى وضعها لها فى عام ١٩٢٤ «آل إيه حلف مايكلمنيش» لتهجر بعدها الإنشاد الدينى لتنطلق على وقع ألحانه فى أكثر من أغنية منفردة، إلى جانب جميع أغانى أفلامها «وداد» و«نشيد الأمل» و«عايدة» و«فاطمة» وهى التى قالت عنه يومًا: «القصبجى درس جميع أبعاد صوتى وترجمها على أوتار عوده مما جعله يفتح آفاقًا جديدة فى التلحين منها (إنت فاكرانى ولاّ ناسيانى) و(ليه تلومينى وانت نور عينى) و(مادام تحب بتنكر ليه) و(إن كنت أسامح وأنسى الأسية) و(الشك يحيى الغرام) و(يا عِشرة الماضى الجميل)..».

و..أبدًا ليست هناك شهادة أجدى ولا أوقع ولا أدّل منها فى إثبات هوية صاحبها ملحنًا وموسيقارًا وعازفًا يشار إليه بالبنان على مستوى الوطن والبلاد العربية جمعاء سوى صورة رسمية له يحتضن فيها العود بأصابع متفرقة فوق الأوتار.. عبده الحامولى وألمظ وكامل الخلعى والقصبجى وزكريا أحمد وسيد درويش ورياض السنباطى ومحمود الشريف ومحمد فوزى وكمال الطويل والموجى وسيد مكاوى وبليغ حمدى وفريد الأطرش.. الخ حتى أم كلثوم كانت صورتها مع العود غلافًا لأهم كتاب عن حياتها «أم كلثوم عصر من الفن» بقلم مؤرختها وراصدة كل خلجة فى حياتها والمعجبة الأولى فى محيطها الدكتورة نعمات أحمد فؤاد، وكان القصبجى قد قام بتلقينها مناهج العود وأوزانه وأوتاره وطبقاته وكيفية دوزنته حتى أجادت العزف عليه لتغنى مع انبلاجة الصباح من كلمات بيرم التونسى وألحان القصبجى: يا صباح الخير ياللى معانا الكروان غنى وصحانا والشمس آهى طالعة وضحاها والطير آهى سارحة فى سماها ياللـه معاها، وعندما يأتى المساء ويجافيها النوم تغنى لثنائى عشقها رامى والقصبجى: رق الحبيب وواعدنى يوم.. وكان له مدة غايب عنى.. حرمت عينى الليل م النوم لأجل النهار ما ييجى يطمنى.. صعب عليّا أنام أحسن أشوف فى المنام غير اللى يتمناه قلبى.. سهرت أتمناه وأسمع كـلامى معاه وأشوف خياله قاعد جنبى..


و.. حقيقة عندما سمعت وشاهدت شملنى السرور والراحة لقرار منظمة اليونسكو الثقافية العالمية فى إدراجها هذا الشهر صناعة العود السورى والعزف عليه على قائمتها للتراث الإنسانى، فالعود هو الآلة الموسيقية رقم واحد فى سوريا لأى ملحن وعازف فى أى من سنين العمر، وهو تراث يرافق السوريين أينما حلّوا كجزء لا يتجزأ من تاريخهم وحضارتهم ومستقبلهم.. العود الذى قال عنه قديمًا أبوحامد الغزالى: من لم يهزه العود وأوتاره والربيع وأزهاره والروض وأطياره فهو مريض المزاج يحتاج إلى علاج.. العود جد الجيتار، وإذا ما كان الأخير قد دخل العالم العربى حديثًا فإن العود نشأ عربيًا ودخل أوروبا خلال فتح الأندلس ليؤثر فى كثير من المقاطع الغنائية، وقد رافق العديد من الشعراء فى خلواتهم والموسيقيين فى مهرجاناتهم، وحبلت أوتاره بآلاف الأغانى التى تنوء بها المدونة الفنية العربية اليوم، لأنه فى حد ذاته حالة استثنائية مقارنة بالآلات الموسيقية الأخرى، وعلى مدى قرون طويلة ظل العود دون غيره أكثر الآلات الموسيقية شهرة داخل البلاد العربية، ولطالما اعتبره العرب رمزًا للالتزام السياسى وسيد الآلات الموسيقية قديمًا وحديثًا وأيقونة ملازمة لعالم الشرق، وظهر ذلك فى لوحات الفنانين المستشرقين، وسجل صناعه وعازفوه فنانى الحملة الفرنسية على مصر فى مؤلفهم الضخم «وصف مصر»، وكان مجالا للتنافس بين جوارى وقيان عصور الخلفاء المسلمين، ومن خلال العود ظهر الجيتار والبزق والمندولين، والآن أصبح للعود سيادته المفردة ليغدو نجم الحفل وحده، حيث يحتفى به كآلة مفردة انطلاقًا من أن الفهم العام للموسيقى بماهيتها الكاملة ليست للتطريب فقط بل للتأمل والتفكير أيضًا.. ولو لم يخترع البشر الكـلام لإيصال المشاعر بينهم لكان العود هو السبيل لما يصفون ويبغون ويطربون ويغنون بالهمس واللمس على أوتاره. ولأن لكل دولة شرقية فى عودها خصائص، فالصندوق الكمثرى الناطق بالألحان قد خلق مساحات عزفية تتنوع من بغداد إلى سوريا إلى اسطنبول إلى مصر والمغرب العربى إلى إيران وأذربيجان.. كل يُبدى مشاعره عبر أوتاره ويروى تاريخًا من العشق والحكايا والبوح عبر ثلاث فتحات للصوت منقوشة على شكل ورود من أنواع مختلفة من الأخشاب وأوتار مشدودة غالبيتها من خيوط النايلون.


و..عند رصد وجه الاختلاف بين أعواد الشرق نجد العود التركى أعلى من غيره فى الصوت، بينما حجمه أصغر وخشبه من النوع الفاتح، والعود الإيرانى barbar يتميز بقصر الرقبة والصوت النقى والنغمة العالية والأوتار السميكة والصندوق الصغير العميق، والعود العراقى يشبه فى صوته الجيتار وهو خفيف الوزن مقارنة بالعود السورى طويل الرقبة الذى يُصدر عديدًا من النغمات المختلفة ويحتوى على ١٣ وترًا مع وتر إضافي، ويعد العود المصرى الأفضل للطرب ويتميز بالعمق وثقل الصوت والأكثر زخرفة وصناعته من خشب الصندل.. وتلعب الأوتار دورًا بارزًا فى إحداث رنّة مختلفة مما يجعل أصحاب حرفة صناعة الآلات الموسيقية يتسابقون إلى تحسين الأوتار، والأمر نفسه ينطبق على بقية جسد العود الأخرى مثل الصندوق والصدر والفرس والرقبة وزند العود والمفاتيح والريشة وغيرها، وكلما مرت فترة معينة تتطور آلة العود بعد أن يتم تطوير دوزنته ـ الدوزنة شد الأوتار المرتخية ــ وفى البدء كان رباعى الأوتار يعطى أربع نغمات، وبعد قرون أصبح هناك خمسة أوتار، لكن العود العربى المعروف من القرن السابع الميلادى يتكون من أربعة أوتار مزدوجة ومتناسقة، وفى القرن التاسع الميلادى اقترح «الكندى» إضافة وتر خامس ليغطى ضرورات مصاحبة الغناء، وجاء نفس الاقتراح من المغنى أبوالحسن على بن نافع الموصلى «زرياب» سعيًا منه إلى جعل عزفه على العود أوضح وأدق وأجود، وهو المطرب العربى الأشهر بالغناء على العود، وقد عاش فى العراق إلى أن جاء اليوم الذى خرج فيه من وطنه صوب الأندلس بسبب غيرة أستاذه ومعلمه إسحاق الموصلى الذى غلبه الطمع والحسد من سطوة «زرياب» بعد سهرة قضاها يغنى فيها لهارون الرشيد. وأبدًا لم تتوقف موهبته بعد سفره بل حمل معه من بغداد كل مقومات الفنان العربى وما ينبغى أن يكون عليه، فكان أول من أسس معهد لتعليم آلة العود فى قرطبة وجعل العود بخمسة أوتار ورغم شهرته فى عالم الطرب والعود إلا أنه لم يحظ باهتمام بالغ من الباحثين القدامى والمحدثين، وكان الغرب وحده من اعترف بإمكاناته التجديدية المرتبطة بالعود حيث أفردت له المتون الإسبانية والفرنسية الصفحات والعناوين لدوره الفعال فى تشكيل ذاكرة الموسيقى العربية القديمة.

ورغم قلّة الدراسات التى تستعرض مسار العود وتحولاته، وإن كان هذا التهميش ليس للعود فقط ولكن للموسيقى العربية ككل، مما ينم على مدى غياب مؤرخى الفن وندرتهم فى التعريف بالتاريخ الموسيقى العربى ورصد تاريخه الجمالى.. وتعد أول وثيقة فى صناعة العود التى وضعها الفيلسوف الكندى فى عام ٨٧٤م خلال العصر العباسى فى رسالته «رسالة فى اللحون والنغم» وبعدها أتى مخطوطه «كشف الهموم والكرب فى شرح آلة الطرب».. ومن بعد الكندى أتى الفارابى فى ٩٥٠م ليستفيض فى رؤيته حول العود فيكتب ما يزيد على المائة صفحة فى كتابه الشهير «الموسيقى الكبير» ليتناول آلة العود ودساتينها - العلامات التى توضع على سواعد الآلات ذات الأوتار ليستدل بها على مخارج النغم ـ المشهورة ونسبها بكل دقة وتسويات الأوتار عليها، وابتكر دستان سماه «غريب».. أما ابن سينا فقد عالج فى عام ١٠٣٧ بشكل مختصر نسبيًا أمر آلة العود حيث ذكره باسمه العربى «العود» فى كتابه «جوامع علم الموسيقى من كتاب الشفاء»، وذكر العود بعد ذلك باسمه الفارسى «البربط» فى كتابه «النجاة».. وجاء من بعده تلميذه ابن زياد (٤٤٠ - ١٠٤٤م) صاحب كتاب «الكافى فى الموسيقى» ليقوم بنقل واتباع ما جاء به أستاذه ابن سينا بحذافيره، وجدير بالذكر أن ابن سينا ذكر أيضًا فى كتابه «الشفاء» آلة موسيقية تسمى «العنقاء» وقد ذكرها أيضًا أبى منصور الحسين، وهى آلة وترية خالية من الدساتين..

وفى عام ١٠٤٥م عرض ابن الطحان المصرى فى كتابه «حاوى الفنون وسلوى المحزون» الذى قام بتأليفه فى فترة الخلافة الفاطمية بعض الروايات والأساطير حول العود، كما تناول الخشب الذى يُصنع فيه بالتفصيل، ثم قياساته وأسماء العود العربى، وما يضر العيدان ويفسدها، وعدد الأوتار والدساتين وأسمائها والمواد التى تُصنع منها.. أما إخوان الصفا فقد عالجوا موضوع العود باعتباره آلة الحكماء وذلك فى رسالتهم الخامسة فى الموسيقى التى ألفوها فى النصف الثانى من القرن العاشر الميلادى.. العصر العباسى.. وفى كتابه الثانى «الرسالة الشرقية فى النسب التأليفية» قام صفى الدين البغدادى (١٢١٦ - ١٢٩٤م) بذكر العود كأشهر الآلات وأثمنها التى يشد عليها بخمسة أوتار، وقام برسم تخطيطى للعود، ومن المؤلفات الهامة فى القرن الخامس عشر الرسالة الفتحية فى الموسيقى للاذقى عام ١٤٩٤م التى أوضح فيها أن للعود أربعة عشر صنفًا والخامس منها هو الكامل.. وفى القرن التاسع عشر ذكر ميخائيل مشاقة (١٨٠٠ - ١٨٨٠) فى كتابه «الرسالة الشبابية فى الصناعة الموسيقية» وصف للعود السباعى ذو الأوتار المزدوجة الشد من أجل تضخيم الصوت.

ومن مسميات العود «البربط» وهو لفظ فارسى قديم بمعنى «باب النجاة» بمعنى أن صوت العود مأخوذ من صرير باب الجنة، ومن الأسماء الكثيرة الأخرى «الكنارة، الموتر، الكران»، وقد تطورت الأوتار لتصنع من بعد أمعاء الحيوانات كالماعز والماشية إلى صناعتها من أمعاء أشبال الأسود كما جاء على لسان زرياب.. هذا وقد صنع الفارابى آلة موسيقية تجمع ما بين العود والقانون والدف قدمها هدية للخليفة المأمون أنغامها تؤثر على أعضاء جسم الإنسان وفقًا لأمزجته وطباعه، ولها حُكم بروج الميلاد الاثنى عشر، وكان يستعان بها فى علاج المرضى فى البيمارستان، فيعزف له بها حتى يروق ذهنه ويهدأ، حيث الطرب ينعش الجسم السقيم، ويبين التاريخ مدى تمكن وإتقان الفارابى فى العزف على هذه الآلة، ومدى ولع الخليفة بعلمه وفنه حتى أنه لم يكن يسمح له بالانصراف عنه ولو ساعة واحدة، وعيَّن له حارسًا يلازمه فى خطواته، فما كان من الفارابى إلا أن استخدم حيل العزف على آلته التى أتقنها، فضرب بها حتى ضحكوا، ثم ضرب لهم حتى بكوا، ثم ضرب لهم حتى دهشوا، ثم ضرب لهم حتى ناموا فخرج من بينهم ولم يشعر به أحد.. وفى تقسيم الفارابى لأبناء الأبراج وتأثير الآلات الموسيقية عليهم، فقد وجد أن مواليد أبراج الحمل والثور والجوزاء يوافقهم «النطير» ـ الناى ـ لأنه أرق الآلات حساسية وأحلاها طربًا ويسمعه الطفل فينام فى مهده من وقته، ولا يختلج ولا يتحرك، وأجمل الأنغام لأبناء تلك الأبراج مقام الراست الرقيق الهادئ.. ولمواليد السرطان والأسد والسنبلة ــ العذراء ــ آلة «الدف» القوية فإذا سمعها أحدهم لا يملك نفسه من الطرب الذى يمده بالقوة.. ولمواليد الميزان والعقرب والقوس آلة الرباب بالصوت الحنون فإذا ما سمعه كبار السن طاشت عقولهم وحنّت جوارحهم للطرب من غير تكلف.. ولمواليد الجدى والدلو والحوت آلتهم العود لأنه سلطان الطرب كله فهو يسلب العقول والقلوب عندما يُعزف عليه.

فى البحث عن الأصل وجد علماء الآثار نقوشًا تعود إلى فترة الحضارة الأكادية فى العراق فى الألفية الثالثة قبل الميلاد ظهر فيها العود تعزف عليه امرأة داخل قارب والعود يحتوى على وتر واحد برقبة طويلة وصندوق صوتى صغير.. ويصل العود إلى بلاد فارس فى ١٧٠٠ قبل الميلاد لتغدو أوتاره من الحرير ليطلق عليه اسم الـBarbar، وبعد دخول العرب إلى الأندلس التى اشتهر زرياب بالعزف فيها تم نقل العود إلى الدول الأوروبية خلال القرن الثالث عشر ليطلق عليه اسم lute المنشق من لفظة العود.. ومن بعدها يغزو اللوت أو العود قصور الملوك والأمراء فى كل من ألمانيا وإيطاليا وانجلترا وفرنسا، بعد أن أضافوا إليه الدساتين التى يخلو منها العود الشرقى فى الوقت الحالى، وقام المؤلفون الموسيقيون بوضع قطع موسيقية لآلة العود طبعت فى إيطاليا لأول مرة فى عام ١٥٠٧م، وفى انجلترا عام ١٥٧٤م وكان من جملة الذين وضعوا قطعًا للعود «جان سبستيان باخ» و«هاندل» وقد اختفى العود من الاستعمال الأوروبى بعد انتشار الجيتار والبيانو ليتمركز فى الشرق ويغدو من بين أشهر عازفيه محمد القصبجى، وفريد الأطرش ومارسيل خليفة، ورحيم الحاج، ويوردان توكان وإسحق الغازى وظافر يوسف، وطلال مداح، ووديع الصافى ولطفى بوشناق «بافاروتى تونس» وفريد البابلى «موسيقار بغداد» وناصر المزداوى الليبى، وعبادى الجوهر السعودى الذى يحتفظ بعود القصبجى، والشيخ إمام الظاهرة الفنية والثقافية النادرة فى التاريخ العربى فلم يسبق لموسيقى أو مغنٍ أن كرّس حياته وفنه للدفاع عن قضايا وطنه وهو الذى فقد بصره فعاش الرؤى والألحان فى مخيلته ليعزف على العود أشهر أغانيه مصر يامه يا بهية، ويا مصر قومى وشدى الحيل، وجيفارا مات، وتل الزعتر.. ونصير شمة ابن مدينة الكوت فى العراق عام ١٩٦٣ الذى لا يعد عازف عود فقط بل موسيقارا وشاعرا أسس بيت العود العربى، وحول تجربته الرائدة فى عالم العود يقول نصير: «التزمت منذ البداية بأن يكون العود فى أعمالى هو السيد الأول منطلقًا فيه كأساس للتعبير عن مواضيع كثيرة.. أردت أن يصبح العود مثل الكاميرا التى تلتقط الأشياء والمناظر بحس شاعرى عال، وأن يصبح الوتر هو العدسة التى لا تكتفى بتصوير المشهد الخارجى فقط بل ارتداداته فى النفس وتفاعلاته معها، وكانت بدايتى الحقيقية فى التصوير عبر الوتر منطلقة من معزوفة (رقص الفرس) ــ التى ومن دون أن أعلن عن اسمها ــ حين أعزفها أجد الجمهور يتمايل كما لو كان يمتطى الخيول، وتلك التجربة على الصعيد الشخصى جعلتنى أنتقى مسلكًا خاصًا يرى فى العود آلة تعبيرية عالية لا تقل أهمية عن الريشة فى يد الرسام، أو القلم فى يد الكاتب.. لقد نقلتنى التجربة إلى البحث عن آفاق جديدة أصبح لها حضور محبب لدى الشباب الذى انصرف عن العود واتجه نحو الآلات العربية مثل الجيتار، وكانت تجربتى مع افتتاح بيت خاص للعود تحت اسم «بيت العود العربى» التى جعلتنى على تماس كامل مع أعمار وأجيال وجنسيات مختلفة..».

 

الزمبليطة فى الصالون

 

وتسأل سهام ــ مديحة يسرى عن الزوج وحيد ــ فريد الأطرش ـ فى فيلم «لحن الخلود» فيخبرها السفرجى بأن «الزمبليطة فى الصالون» لتشاهد جلسة السلطنة فى أوجها مع العود من بعد إلحاح الطلب: غنى يا وحيد، فيغنى ملك العود المسجل فى قائمة الفنانين الخالدين بالموسوعة الفرنسية «جميل جمال مالوش مثال ولا فى الخيال صدق اللى قال زى الغزال».. ولحظة تشدو الحنجرة والأوتار «ليه الدنيا جميلة وحلوة وانت معايا» تردد فاتن حمامة «وانت معايا».. «ليه بتخلّى القلب فى نشوة وأنسى أسايا.. «وأنسى أسايا».. تسألنى ليه؟ ماأعرفش، والسر إيه؟ ماأفهمش، وترقص على أنغام العود من لا تجيدا الرقص فاتن وماجدة.. وتغنى الأحلام حوالىّ وتطمنى.. «وتطمنى».. ليه كل الأزهار بتحبك.. والطير والناس.. علشان الرقة اللى فى قلبك ولاّ الإحساس، ولاّ القوام والخِفّة والابتسام على الشفة... و..و.. أهلا يا سهام!!

العود بدأ فريد دراسته عمليًا فى ١٩٣١ فى معهد الموسيقى الشرقية بالقاهرة على يد رياض السنباطى فلم يقلده، فقد كان عزف السنباطى رشيقًا أنيقًا بينما عزف فريد واثقًا متمكنًا مما سمح له بأن يغدو عازف العود الأول لدى الجماهير إلى درجة أن تقاسيمه «ارتجالاته» كانت تحفظ وتؤدى من قبل عازفى العود كما أتت على أوتاره على مساحة العالم العربى كله، وخاصة التقاسيم التى كان يستهل بها أداءه فى حفلات الربيع لأغنيته «آدى الربيع عاد من تانى» و«أول همسة» ليسجل له تاريخ الموسيقى الشرقية أهم تسع معزوفات على العود ترددها الآذان العاشقة لإلهاماته: مقطوعة استوريان، ومقدمة حكاية غرامى، وحبيب العمر، وتوتة، وبنادى عليك، وكهرمانى، ويا أجمل شىء فى الكون.. فريد الذى قام ببطولة ٣١ فيلمًا غنائيا وتغنى بكلمات عمالقة الشعراء ومنهم رامى والأخطل الصغير وبديع خيرى ومأمون الشناوى وكامل ومرسى جميل عزيز وبيرم التونسى ليحوِّل كلماتهم إلى أفراح وأتراح على أوتار عوده العبقرى، وشدت من وحى عوده كل من أسمهان وشادية وفايزة ووديع الصافى ونور الهدى ومحرم فؤاد... وذهب فريد بعوده الخلاّق ليعرض على أم كلثوم من مقام النهاوند أغنيته «عتاب» فى لحن يليق بمقامها لكنها لم تقبل به.

على الدوام كان فريد المطور المجدد فقدم للعود عدة أساليب للعزف منها الأسلوب الشرقى الواثق المعتمد على البناء المقامى المتماسك مع إضفاء طابع التقنية المبهرة سواء أمام الجمهور أو فى التسجيلات الإذاعية، وفى نهاية الخمسينيات قدم جديده متأثرًا بأسلوب الجيتار الإسبانى وعرضه ضمن مقدمة «حكاية غرامى» مما يؤكد بحثه الدائم حول إثبات قدرة العود على مواكبة تطور العصر، وفى نهاية الستينيات كان له أسلوب جديد فى عزفه على العود ورد ضمن مقدمة قصيدة «لا وعينيك» تميَّز بالعزف بإصبعين على وترين مختلفين فى الوقت ذاته، مما يوضح أنه كان على الدوام يعمل على إظهار قابلية العود لكل جديد، ومن هنا قلما ظهر فريد بدون عوده الذى أنقذه فى إحدى حفلاته الغنائية فى دمشق عندما أخّر المطر الفرقة الموسيقية المصاحبة له فى الحضور، بينما الجمهور الذى ملأ المدرجات قد علت صيحاته، فما كان من فريد إلا دخول المسرح وحده حاملا عوده ليغنى ويعزف ويندمج حتى فلتت ريشة العود من بين أصابعه، ولكى لا يقطع الوصلة ولا خيط انسجام الجمهور استمر يعزف بدون ريشة، وعندما انتهى قام أحد الحضور لمصافحته وتحيته، فإذا بأصابع اليدين الخلاّقتين تنزف بالدماء.. الأصابع التى عزفت يومًا «لحن الخلود» لصاحبها، و«لحن الخلود» للشقيقة أسمهان من كلمات بديع خيرى:

عـليك صــلاة الـلـه وسـلامـه

شفاعة يا جـد الحســنين

كـرامـة لـــك يـا قـاصـد مـكـة

ونيـتــك بالكـعـــبة تطــوف

تبوسـلى فيهـا تـراب السكـة

أمانة مـن مـؤمـن ملهــوف

وامتى عينى تشوف منظركـم

يا مـدنتين فـوق الحـرمـين

وأطول مقام الحجاج اتباركم

وشــربوا مـن زمـزم بُقـين

وفـى المـديـنـة نـالـوا القــبــول

بنــور نبينا طــه الرســول

يـا بـخـــت زواره بـإكــــرامــه

عليـك صلاة اللـه وسلامه


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: