هذه الحروب الكلامية على الشاشات الفضائية انتقلت عدواها إلى قنوات «اليوتيوب» المفتوحة على مصراعيها لكل من هب ودب دون حسيب أو رقيب، وهو ما يهدد ثقافة الحوار وينشر ثقافة «الردح» التى لا تختلف عن ثقافة حوار «الطرشان» التى نمت بذرتها الأولى على أرض لبنان منذ سنوات بعيدة.
لقد أصبح كل من لديه منبر لمخاطبة الرأى العام معنيا فقط بأن يغرد وحده دون أن يسعى لمد الجسور مع الآخرين، فالمهم أن يثبت صاحب المنبر صحة موقفه وسلامة منطقه دون اجتهاد فى البحث عن الحقيقة بالنقاش الهادئ مع الأطراف الأخرى المعنية بذات الملف وذات القضية!
ومعنى ذلك أن ثقافة الحوار التى كانت أحد أعمدة بقاء البشرية ونموها وتطورها قد أصبحت الآن فى خطر، وذلك أمر ضد طبيعة الإنسان وفطرته المجبولة على حب التحدث مع الآخرين لكى ينقل إليهم معلومة صحيحة ومفيدة ويستمع منهم إلى أى ملاحظات إيجابية، بعيدا عن الأهواء والأغراض والميول.
وأتطلع بكل الأسى والأسف لما يدور فى معظم البرامج الحوارية على الفضائيات وضمنها البرامج الرياضية التى تحولت إلى منصات للسب والقذف والتجريح ونثر بذور التعصب وقتل الروح الرياضية وتفريغ الرسالة السامية للرياضة من أى مضمون إنسانى يشجع على التنافس والتسامح وتنقية الوسط الرياضى من العناصر التى تؤثر فى نزاهة وعدالة وانضباط المنظومة الرياضية بأكملها وبالذات منظومة التحكيم!
وظنى أن الفرصة لم تفت بعد تماما لإعادة إحياء ثقافة الحوار وقطع الطريق على حوار الطرشان، لأن الحوار الصحى النظيف ليس فقط مدخلا طبيعيا لتصحيح الأفكار وإنما هو أيضا وسيلة مثلى لنشر ثقافة التواضع وحسن التعامل مع الآخرين والإصغاء لهم وبذلك ترتفع رايات الحكمة وتضيء شموع الحق وتنطفئ شعلة الباطل!
وأقول فى النهاية إنه ليست هناك حرية بدون ضوابط وإلا عمت الفوضى ومن ثم ينبغى أن يكون هناك مفهوم واضح لحرية الرأى باعتبارها الوعاء الواسع لحرية المناقشة، سواء كان ذلك عبر حديث ناطق باللسان على الفضائيات أو حديث صامت على الورق، بعيدا عن حملات الإثارة التى تبحث دائما عن كبش فداء سواء كان شخصا بعينه أو شخصا معنويا ضمن كيان يراد تشويهه أو هدمه!
خير الكلام:
<< تنبع الحقيقة من آبار الحوار لكن التعصب للرأى يمنع تدفق المياه فى أنهار المعرفة!
[email protected]لمزيد من مقالات مرسى عطاالله رابط دائم: