رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بين اليوم والأمس.. العالم فى 1923

مع بداية عام ميلادى جديد، يهتم الكتاب عادة بالحديث عن أحداث العام المنصرم ويسعون لاستشراف أو توقع أحداث العام القادم. ولكنى فضلت أن أرجع إلى التاريخ وأكتب عما كان عليه العالم من مائة سنة، وكيف أثرت أحداث عام 1923 على مسار التاريخ فى القرن العشرين.

كان العالم ما زال يعيش فى مرحلة تداعيات ما بعد الحرب العالمية الأولى. فدعت الدول المنتصرة إلى انعقاد مؤتمر فرساى عام 1919، للاتفاق على أوضاع ما بعد الحرب، ومصير المستعمرات التى كانت تابعة للدول المهزومة وهى الإمبراطوريات الألمانية، والنمساوية المجرية، والعثمانية. وفى 1920، تم إقامة عصبة الأمم، وهى التنظيم السابق على الأمم المتحدة،ووضعت هذه الترتيبات الأساس للعلاقات الدولية فى فترة ما بين الحربين.

فى أوروبا، فرضت معاهدة فرساى على ألمانيا المهزومة دفع تعويضات للدول المنتصرة ونزع سلاح منطقة الراين ووضعت حدا أقصى للجيش الألمانى بعدد مائة ألف جندى. وشهد عام 1923 استمرار سياسات إخضاع ألمانيا، فقامت فرنسا وبلجيكا باحتلال إقليم الرور وذلك عقابا على توقفها عن سداد التعويضات. وخلقت هذه الأحداث شعورًا بالإحباط والرغبة فى الانتقام لدى الرأى العام الألمانى فبدأ قطاع منه فى السير على طريق إيطاليا الفاشية، ودبر الحزب النازى مؤامرة فاشلة لقلب نظام الحكم فى ولاية بافاريا فى نوفمبر اشتهرت باسم انقلاب ميونخ واعتقل زعيمه هتلر. أما إيطاليا التى كان الحزب الفاشى بقيادة موسولينى قد استولى على الحكم فيها عام1922، فقد عادت إلى مغامراتها الاستعمارية فى ظل الحكم الفاشى فأعدت حملة عسكرية ضخمة لتدعيم وجودها فى ليبيا، احتلت ترهونة فى فبراير 1923 ومنطقة بنى الوليد فى أكتوبر.

شهد عام 1923 أيضًا تطورًا مهما فى السياسة الأوروبية مع استمرار سياسة التقارب وإعادة بناء الجسور التى اتبعها الاتحاد السوفيتى مع الدول الأوروبية، فبعد سنوات من الحرب الإعلامية والسياسية بين الطرفين والتى كان من مظاهرها من الجانب السوفيتى إقامة منظمة الكومنترن التى ضمت فى عضويتها ممثلين للأحزاب الشيوعية، وسعت لنشر المبادئ الشيوعية وإثارة الطبقة العاملة. وفى المُقابل، اتبعت الدول الأوروبية سياسة الحزام الصحى بهدف تطويق الاتحاد السوفيتى ومنعه من نشر أفكاره فى أوروبا. ولكن سرعان ما اتضح حدود هذه السياسات، فقد أدركت موسكو أن النظم الرأسمالية مستقرة وراسخة ولن تسقُط بحملات الدعاية، وأدركت الدول الأوروبية أن الاتحاد السوفيتى لن ينهار بسبب حصارها له. فشهد عاما 1922و1923 تغير هذه السياسات وسعى الطرفان للتقارب وبناء المصالح المشتركة والتى ظهرت نتائجها فى العام التالى، فاعترفت بريطانيا وفرنسا بالاتحاد السوفيتى فى فبراير 1924، وتم توقيع اتفاقيات تجارية بينهما. كما وثقت موسكو علاقاتها مع ألمانيا.

وفى آسيا، حدثت تطورات مهمة فى أكبر بلدين عام 1923 وهُما الصين والهند. ففى الصين، استمرت الانقسامات العسكرية والسياسية وذلك عقب الثورة الوطنية بقيادة صن يات صن عام 1911التى أنهت حكم أسرة تشينج بعد حُكم دام قرابة ثلاثة قرون، وإعلان النظام الجمهورى فى عام 1912. ساد الصين حالة من عدم الاستقرار والحروب الأهلية، وانقسمت بين حكومة الصين الشمالية ومقرها بكين وحكومة الصين الجنوبية ومقرها كانتون. وفى عام 1921، ظهر عامل سياسى جديد وهو تكوين الحزب الشيوعى الصينى، الذى أصبح لأنصاره نفوذ فى عدد من المقاطعات، فسعى صن للتحالف معه ووقع فى يناير 1923 اتفاقية مع الاتحاد السوفيتى كانت تعبيرا عن هذا التقارب.

وفى الهند، تبلور فى عام 1923 الخلاف بين ثلاثة تيارات سياسية وفكرية وهى حركة الخلافة التى انتشرت بين المسلمين ودعت إلى الحفاظ على منصب الخليفة فى تركيا الذى كان وفقًا لاعتقادهم جزءًا من الإسلام. وحركة الهندوتفا الهندوسية المُتعصبة التى تأسست فى هذا العام ودافعت عن تفوق الأغلبية الهندوسية على الأقليات الأخرى. والثالثة المهاتما غاندى الذى أصبح رئيسًا لحزب المؤتمر الوطنى فى 1921 ودافع عن وحدة الأمة الهندية بكل طوائفها وأديانها، ودعا إلى تركيز الجهود على إنهاء الاستعمار البريطانى بالطرق السلمية.

وفى الشرق الأوسط، تم توقيع اتفاقية لوزان بين تركيا والقوى الأوروبية فى 24 يوليو 1923 والتى تم فيها اعتراف القوى الأوروبية بالجمهورية التركية الجديدة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، وبسيادتها على جميع أراضيها واعترافها بانتصارات القوات التركية على القوات اليونانية، وكانت هذه المعاهدة إعلانا بالزوال القانونى للدولة العثمانية، كما نصت على إلغاء الامتيازات التى كانت ممنوحة للأجانب بمقتضى معاهدات مع الدولة العثمانية.

كما شهدت إيران تطورا أساسيا فى هذا العام، فقد قام رضا خان وزير الحربية بإخماد الحركات الانفصالية فى بعض الأقاليم مما أكسبه شعبية كبيرة، فقام بخلع الشاه أحمد القاجارى من السلطة فى نوفمبر 1923، وقام بحكم البلاد حتى عام 1925 عندما تم تنصيبه إمبراطورا باسم رضا شاه بهلوى. وجدير بالذكر، أنه والد محمد رضا بهلوى الذى نشبت الثورة ضده فى عام 1979، والجدير بالذكر أيضًا أن الأب دُفن بمسجد الرفاعى بالقاهرة عام 1944 لفترة، وأن الابن دُفن فى نفس المكان عام 1980 ومازال فيه حتى الآن.

كان عام 1923 جزءًا من مرحلة التغير والتحول التى شهدها العام بعد الحرب العالمية الأولى والتى وضعت البذور لعوامل نشوب الحرب العالمية الثانية كإذلال ألمانيا، وظهور الفاشية فى أوروبا، وصعود الاتحاد السوفيتى. واتصالًا بذلك، فإن ما نعيشه اليوم فى عشرينيات القرن الحادى والعشرين يضع أيضًا الأساس لما سوف يحدث فى السنوات القادمة.


لمزيد من مقالات د. على الدين هلال

رابط دائم: