رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اللغة.. البناء غير المنظور للعمران البشرى

تحتفل مؤسسات عديدة باليوم العالمى للغة العربية الذى تم تحديده من قبل الأمم المتحدة بالثامن عشر من ديسمبر من كل عام. ولقد شرفت بحضور الاحتفال بهذا اليوم داخل مصر وخارجها مرات عديدة، وكنت أسأل نفسى دائمًا عن الدور الذى يمكن أن يلعبه علماء الاجتماع فى مُشاكَلة اللغة، والبحث عن دلالاتها فى الحفاظ على هوية المجتمع من ناحية، وفى تسيير مجريات التفاعل فى الحياة اليومية. وقد كنت انشغلت بهذه القضية منذ الدراسة التى أجريتها حول خطاب الحياة اليومية مطلع التسعينيات. ولم أنقطع منذ ذلك الحين عن التأمل فى أمور اللغة، ولقد رأيت أن أطرح جانبا منها فى هذا المقال على أصداء الاحتفاء باللغة العربية والدعوة إلى إعادة الاعتبار لها فى عالم يحاصر الثقافات المحلية بتدفقات من شأنها أن تحدث تفكيكا وضعفا لتماسك الأبنية الاجتماعية وتآكل قدراتها التواصلية عبر لغتها الأصلية. اللغة هى نسق من الإشارات والرموز التى تتخلق وتتراكم عبر عمليات من التفاعل المستمر؛ وهى تشكل الوسيلة الأهم فى التفاهم والتواصل؛ وعن طريقها يتم تراكم المعرفة ونقلها إلى الأجيال الجديدة؛ وهى أولاً وقبل كل شيء أداة للفكر؛ تعبر عنه فى كلمات وعبارات تتدفق سائلة عندما تكون كلاما منطوقا وتسكن وتستقر عندما يتحول الكلام إلى نص مكتوب. ومن ثم يصح أن نقول بأن اللغة هى الوجه الآخر لثقافة أى مجتمع، أو هى مرآة الثقافة وحاضنتها، ولذلك فإن الفرد يزداد خبرة ودراية بثقافة مجتمعه كلما ازدادت حصيلته من اللغة. ولكل هذا فإن اللغة هى موضوع للبحث والتأمل فى العلوم الاجتماعية ولا يقتصر درسها على المتخصصين فى اللغة وآدابها فقط. واللغة هى الوجه الآخر للعمران البشري، الذى لا يستقيم فى الوجود إلا بالتواصل الذى توفره اللغة؛ فعن طريقها يؤطر لعلاقات ذات البين، التى تتراكب فى شبكة من التفاعلات التى تكون مستحيلة إلا عبر الرموز اللغوية. وإذا كان فلاسفة اليونان قد تصوروا أن العالم يتأطر فى صور مثالية من الأشكال الهندسية والصيغ الرياضية، فقد يحق لنا أن نستعيض عن هذا الرأى برأى آخر مفاده أن العالم (الوجود) يتأطر فى صورته المثالية فى بنية اللغة التى يقيمها أداة للتواصل. وقد يقودنا هذا التأمل إلى القول بأن العالم الذى نعيش فيه يقوم على قاعدة لغوية، هى قاعدة البناء والإعراب. فالعالم هو سكون وحركة مثلما الأفعال التى قد تكون مبنية أو معربة. إن حالة البناء فى الأفعال تؤشر بشكل واضح إلى الاستقرار والسكون، فالفعل إما أن يستقر مفتوحا ناظرا إلى الماضي، أو أن يستقر مسكوناً ثابتا فى الحاضر أو الماضي. فالأفعال عندما تبنى تلزم حركة واحدة لا تتغير، وهكذا بعض الأسماء وبعض الحروف. أما فى حالة الإعراب فإن الحركة فى أواخر الكلمات تتغير بتغيير موقع الكلمة فى الجملة أو حالتها؛ لا تلزم الكلمة هنا حركة واحدة ثابتة وإنما تتغير بالرفع أو النصب أو الجر أو الجزم وفقا لموقعها وحالتها. وبناء على هذا، هل يصح لنا القول بأن هذه قاعدة للمجتمع، فالمجتمع هو كيان ساكن ومستقر، ولكنه يموت إذا خلا من الحركة والتدفق. وهذه الحركة لابد أن تكون منضبطة، لأنه إذا غاب عنها الانضباط فإن المجتمع يضطرب وينكسر مثلما يكسر الانضباط اللغوى فتنفك عرى العبارة. ومما يؤكد ما نفترضه هنا من أن حالة البناء فى اللغة هى مؤشر على الاستقرار والسكون، أن كل الوصلات فى اللغة تعرب على البناء بحركة واحدة لا تتغير. من هذه الوصلات حروف الجر، وأسماء الإشارة، والأسماء الموصولة، وأسماء الاستفهام، وأسماء الشرط، والضمائر. وثمة دلالة مهمة هنا مفادها أن البناء يسقط إذا لم تكن وصلاته ثابتة لا تتحرك، وهكذا الاجتماع الإنساني، فلا تقوم له قائمة إلا بالرابطة التى تبدأ برابطة ذات البين، وتنتهى إلى الرابطة الاجتماعية، تلك الرابطة التى تجعل الذوات المتفرقة تتجمع فى روابط كالأسرة والجيرة والجماعات المختلفة، وهى التى تمكن الجماعة من أن تطور شبكات للثقة والاحترام والتعايش والتعاون، وجميعها آليات لاستقرار بناء المجتمع واستمراره. وقد يصح لنا أن نقول بناء على هذا أن تكوينات رأس المال الاجتماعى، وتكوينات الأفعال التواصلية لها أصولها فى التكوين اللغوى العربى الذى يسَّكن كل أسماء التواصل وحروفه للمحافظة على بناء اللغة، وكأنها الملاط الذى يسند حوائط اللغة، مثلما تسند الروابط الاجتماعية حوائط المجتمع. ونستطيع أن نأخذ هذه المجادلة خطوة إلى الأمام بأن نتأمل بعض الدلالات الاجتماعية للغة، والتى تساعدنا على فهم التدفق فى الحياة اليومية. فالحياة مثلها مثل اللغة، رافعة، وناصبة، وخافضة، وجازمة. وقد يكون للحروف هنا دلالات مهمة. فالواو هى أداة الرفع، والألف هى أداة النصب، والياء هى أداة الجر، والهاء هى أداة السكون.

ويفتح لنا هذا الأمر امكانات للتأويل كأن نقول مثلا أن الواو تحمل قوة الارتفاع، وأن الألف تحمل قوة الوقوف، وأن الياء تحمل قوة الانكسار، وأن الهاء تحمل قوة اللاحركة والجمود. وقد يحق لنا أيضا أن نقابل حالة الرفع بقوة العقل، وحالة النصب بقوة الغضب، وحالة الجر بقوة الغريزة، فالعقل رافع لأصحابه، والنصب وقوف وغضب، والجر انهزام وتبعية. ويبقى الجزم معبراً عن الثبات أو التثبيت الذى تؤكده الأفعال والأسماء المجزومة. وقد يأخذنا التأويل اللغوى إلى أبعد من ذلك، بأن نعتبر اللغة مخزنا للقيم والأطر المحركة للحياة. فالمبتدأ دالة البكورة والتيقظ؛ والخبر دالة الافصاح والوضوح؛ والفاعل يؤشر لنا بألف المنتصف على وجود الآخر وأهمية احترامه والثقة فيه؛ والمفعول دالة الخضوع والتبعية، فالإنسان الفاعل المستقل أفضل من الإنسان الخاضع؛ والفعل اللازم المكتفى بفاعله دالة التكامل الشخصى والترفع؛ والفعل المتعدى هو دالة الحركة، إما بالاكتفاء والقناعة عندما يكتفى بمفعول واحد، أو بالمنح والعطاء والمعروف عندما يتعدى إلى نصب مفعولين أو أكثر. وأخيرا فإن ما سبق ما هو إلا تأملات حول اللغة العربية التى تسكننا ونسكنها. ولعل الدلالة الهامة التى نخلص إليها هنا أن الحفاظ على اللغة، وتقويتها، وتعميق قدرتها على التفتح والتكيف مع معطيات العصر، هو فى النهاية حفاظ على العمران البشرى واستقراره.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: