رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الذات الأخلاقية..فى أتون الحياة

انصرف الحديث فى المقالات السابقة حول صورة مثالية للذات الأخلاقية، وسياقها، وأساليب تأطيرها. ونتجه اليوم –ختاما لهذا الحديث- إلى المجادلة حول الانبعاث الحياتى للذات، ونقصد به المقدرة على إنتاج فيض أخلاقى، ومعرفة الحق والواجب، وإسداء للمعروف فى علاقة مستقيمة واثقة مع الآخر، يمكنها من أن تعارك الحياة وأن تشتق لنفسها سبيلاً للاختيار والعيش، كما يمكنها من أن تحمل بريقاً يشع على المجتمع، ويترك لها أثرا إيجابيا فى نفوس الآخرين.

لا نتوقع أن تمتلك الذات هذه القدرة بشكل كامل، ولكنها إذا أرادت مسارا أخلاقيا قويا فإنها يمكن أن تقترب منها، بأن تمتلك درجة معينة من الفيض الأخلاقي. ويمكن أن نتلمس مظاهر امتلاك هذه القدرة فى حقول الحياة المختلفة التى تَنَدَّحَ فيها الذات عبر مسيرتها اليومية، ومن أهمها الأسرة، نطاق الجيرة، والتفاعلات العامة فى الشارع والمواصلات، واللقاءات العامة، وأخيرا فى نطاق أداء العمل.

وإذا ما بدأنا بالأسرة، فإنها تشكل المأوى الأول للذات، فيه تولد وتتلقى كل سبل العون والحماية لتنمو وتشب عن الطوق, لتنطلق مستقلة فى معترك الحياة. وفوق كل هذا فالأسرة هى الملاذ الذى نلجأ إليه عندما يتعكر صفو الحياة. وعلى هذا فإن الذات الساعية إلى الانبعاث الأخلاقى تطور أخلاقا عملية خاصة بالأسرة تتعلق بشريك الحياة والأبناء. فشريك الحياة هو شريك الوداد، ولا يحق لطرف من أطراف الشراكة الحميمية أن يصد الآخر أو يعنفه أو أن يستغله أو أن يعتبره شيئا معطى يأخذ منه دون عطاء. ويطور الانبعاث الأخلاقى وعيا خاصا بالأبناء، فلا يركن إلى ميول ذكورية تدفع إلى إنجاب عدد كبير من الأولاد، لا يمكن للأسرة أن تتحمل مسئولية تربيته وحمايته، ويتجاوز حدود القدرة على مواصلة الاتجاه فى العمليات التربوية. تستطيع قدرة الانبعاث الأخلاقى هنا أن تطور مسئولية اجتماعية قصوى لحماية الأطفال ورعايتهم وإعدادهم ليكونوا مواطنين صالحين عندما يخرجون لمعاركة حياتهم، محملين بانبعاثاتهم الأخلاقية الخاصة.

وعندما ينتقل الفرد من عالم الأسرة إلى حقل التبادلات العامة فمن ضرورات الانبعاث الأخلاقى أن تستحضر الذات مفهوم المواطنة التى تفرض عليها واجبين: أولهما يتعلق بنظرة الذات لنفسها حيث تفرض عليها عملية استحضار المواطنة أن تستحضر أيضا المساواة العمومية، فلا تصعر خدها للناس، ولا تتعالى عليهم أو تفرض عليهم أى شكل من أشكال الوصاية؛ فالجميع مواطنون بصرف النظر عن مكانتهم أو أوضاعهم الاجتماعية أو أنماط أعمالهم. أما الواجب الثانى فإنه يرتبط بعملية التبادل الاجتماعى مع هؤلاء المواطنين. هنا تستدعى مفاهيم الاحترام والثقة والتواصل الإيجابى. ويفرض هذا الواجب على الذات أن يكون لديها قدرة كبيرة على التعاطف (التقمص الوجدانى) بأن تضع نفسها مكان الآخر، فتقدر ظروفه وتتفهم ما يحيط بسلوكه من أوضاع. وفى نفس الإطار فإن الذات الأخلاقية تدرك أن فيضها الأخلاقى فى ميدان التفاعلات اليومية يمكن أن يكون له تأثير غير مباشر، عبر تقديم نماذج يمكن أن تحتذى من قبل الآخرين؛ وأن تدحض بشكل رمزى كل أشكال السلوك التى تكسر واجبات وقيم التفاعل العام. وتفرض طبيعة العمران على بعض الأفراد أن يدخلوا فى تفاعل من نوع خاص بعيدا عن تدفقات الحياة اليومية العامة، وأقصد بها التفاعلات داخل المجال العام الأكثر تنظيما مثل حضور المؤتمرات والندوات والصالونات الثقافية واجتماعات مجالس إدارة النقابات والمنظمات الأهلية والحوارات الثقافية العامة أو المتلفزة أو عبر وسائط التواصل الاجتماعي. نحن هنا بصدد نوع محدد من التفاعل يفرض واجبات يدركها الباحث عن الانبعاث الأخلاقى. ومن هذه الواجبات القدرة على الانصات الذى يمكن الذات من هضم ما تسمع، ومن القدرة على فهمه فهما صحيحا؛ واحترام حقوق الآخرين فى الحديث، ومنحهم الفرصة كاملة فى التعبير عن رأيهم، وعدم الوصاية أو احتكار آراء الآخرين، وقبل كل شىء استحضار القدرة على التدبر العقلى وبلورة الأفكار الجديدة؛ وقبل كل شىء التواضع فى طرح الأفكار وعدم التزاحم على تقدم الصفوف وتحجيم سطوة الجسد وحضوره فى المكان، والنفور من خطابات النفاق والغَّل.

ونصل بعد ذلك إلى حقل مهم من حقول الحياة وهو حقل ممارسة العمل. لن نلتفت هنا إلى العمل الذى يمارسه الفرد بنفسه لنفسه، والذى لا يتفاعل فيه مع أحد إلا مع الآلة التى يستخدمها والأشياء التى يتعامل معها؛ وهذا النوع من العمل يحمل فى طياته أخلاقه الخاصة. إنما ينصب الحديث على الأعمال التى تتجه إلى خدمة المجتمع. وما يميز هذا المجال من التفاعل أنه يخضع لأحكام القانون واللوائح. ولذلك فإن الواجب الأول لأى فاعل قائم بأداء عمل عام أن يحترم القانون ولوائحه ومن قبلهما الدستور. هذا فضلاً عن الالتزام العام بأخلاق المهنة. هنا داخل هذا المجال تتقيد الحرية وتصبح القوانين واللوائح هى المحددة لمسار السلوك. حقيقة أن كل المجالات السابقة تحكمها قوانين، ولكن العرف فيها أوضح من القانون وأجلى. أما هنا فالقانون أولاً. ومع وجود القانون إلا أن الانبعاث الأخلاقى يفرض هنا واجبات أخرى يحتمها الفيض الأخلاقى للذات. من أول هذه الواجبات النظر إلى العمل على أنه يتجه لخدمة المجتمع. ومن ثم فإن أى مؤد لعمل رسمى هو خادم المجتمع، ولا يحق له أبداً أن يتسيَّدَ على المترددين عليه أو يستغلهم أو يمارس عليهم سلطة لا يخولها له القانون. ومن الواجبات المهمة هنا واجب إجادة العمل وصقل المهارات المهنية. تستدعى عملية الانبعاث الأخلاقى للذات هنا مفهوم «تقدير السرد» الذى نفهمه تأويلاً على أنه دعوة قرآنية إلى الإجادة والحذق والمهارة التى تجعل المهارة تصل إلى مداه بأن يلين لها الحديد. وإذا ما حقق الانبعاث الأخلاقى للذات كل هذه المسارات الأخلاقية. فلن يبقى له فى النهاية إلا أن يجعل الوطن أمامه فى كل وجهه يقصدها، فالقصد من كل سلوك أخلاقى هو أن يُعلى شأن الوطن، كما أن الالتصاق بالوطن وهمومه، والسير فى الدروب التى تنير لتضىء الحياة، هو الطريق الواضح نحو الإيمان الصادق.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: