الطريق إلى «المنصورة الجديدة» طويل وممتد، ويستغرق ما يقرب من ٣ ساعات، تسير خلالها ما بين طرق حديثة تنقلك إلى مستقبل مفعم بالأمل والحيوية، وطرق أخرى متهالكة، تحوّلت بمرور الوقت إلى طرق عشوائية، على الرغم من أنها كانت ذات يوم فى الزمن الماضى طرقا رائعة وجميلة، إلا أنها تحوّلت بفعل الإهمال والصمت إلى طرق محاصرة بالمبانى العشوائية، ومملوءة بالحفر والمطبات.
طريق «شبرا ـ بنها» الحر نموذج لطرق المستقبل التى اختصرت المسافة إلى أقل من ٣٠٪ من معدلها الطبيعى على الطريق الزراعى، وبعد أن قطعنا المسافة على طريق «شبرا ـ بنها»الجديد فى نحو ٢٠ دقيقة، استيقظنا من الحلم الجميل على واقع الطريق الزراعى العشوائى المملوء بالحفر والمطبات، ومنه إلى طريق “كفر شكر ـ المنصورة”، وهو نموذج عشوائى للطرق الحالية.
الطريق «مخنوق» بالتعديات والعشوائيات، و«قمائن» الطوب، والورش العشوائية، والمبانى، والمقاهى المتداخلة مع الطريق، وهكذا حتى وصلنا إلى طريق «جمصة» الجديد، وهو من طرق المستقبل الذى تم تصميمه على أحدث المواصفات العالمية. طريق «جمصة» الجديد ينقلنا من الواقع العشوائى، الذى كان منتشرا وسائدا قبل ٢٠١٤، ويجرى تغييره الآن بكل همة ونشاط، إلى المستقبل الذى يحاول الرئيس عبدالفتاح السيسى جاهدا اللحاق به فى جميع المجالات والأصعدة.
قبل الوصول إلى مقر الاحتفال، شاهدت مدينة «المنصورة الجديدة»، وهى مدينة حديثة من مدن الجيل الرابع، «تقبع» فى قلب الدلتا، لتكون بمثابة عاصمة جديدة لمحافظات الدلتا الخمس (الدقهلية ـ المنوفية ـ الغربية ـ دمياط ـ كفر الشيخ).
الطرق والمدن الحالية والجديدة نماذج حية لمراحل حياة الدولة المصرية من ماض كان جميلا ورائعا مثل مبانى القاهرة التاريخية التى تضاهى مبانى باريس، وأعرق العواصم الأوروبية، وواقع عشوائى نشأ وترعرع وانتشر مثل السرطان منذ أكثر من ٥ عقود، لينشر «القبح» فى كل مكان، وانتشر وتفاقم حتى ٢٠١٤ دون مواجهة تذكر.
حتى تلك المبانى التاريخية الرائعة تحوّلت هى الأخرى إلى كتل عشوائية، بعد أن تم تحويل أدوارها الأرضية إلى محلات وورش ومقاهٍ، وأدوارها العليا إلى مكاتب وعيادات، مما أدى إلى تغيير نمطها المعمارى، وأفقدها بريقها وروعتها.
سرحت بخيالى فى الماضى الجميل، من طرق ومبانٍ ومدن وريف، إلى الواقع الذى تحوّل إلى فعل عشوائى بالإهمال والصمت واللامبالاة، ولم يكتف الواقع العشوائى بحدود ما تمت إقامته خلال تلك العقود، بل تسلل تحت جنح الظلام، وفى ضوء النهار أحيانا، إلى كل ما هو جميل، فى محاولة خبيثة لجعل العشوائية والقبح نمط حياة.
دخلت قاعة الاحتفال، وتفاعلت مع العرض الرائع الذى قدمه د. عاصم الجزار، وزير الإسكان والمجتمعات العمرانية، لأنه جسّد مراحل تطور الحالة المصرية ما بين ماض كان جميلا، وواقع عشوائى قبيح كانت تعيشه الدولة المصرية منذ أكثر من خمسة عقود، ومستقبل مشرق تبناه الرئيس عبدالفتاح السيسى منذ ولايته.
الرئيس عبدالفتاح السيسى كانت أمامه عدة خيارات مثل كل رؤساء دول العالم: الأول يتعلق ببقاء الأوضاع على ما هى عليه، والتعايش مع الحالة الموجودة، والثانى الاكتفاء بالمسكنات والمعالجات البسيطة والسطحية، لمنع التدهور، والثالث، وهو الأصعب دائما، ألا وهو خيار المواجهة والعلاج الجذرى لمصلحة الجيل الحالى، والأجيال القادمة.
الخيار الثالث هو العلاج الحاسم، لكنه علاج له تكلفته الاقتصادية والاجتماعية، وعوائده لا تأتى فجأة أو بسرعة، لكنها تعمل على تغيير حياة المجتمع كله إلى الأفضل، وضمان حياة كريمة ولائقة لكل المصريين بشرط العمل الدءوب والصبر، واستكمال رحلة العلاج.
ولأن طبيعته مقاتل، فقد قبل التحدى، واختار الرئيس عبدالفتاح السيسى الخيار الأصعب، وهو العمل على تحسين أوضاع الدولة المصرية، وتأهيلها بشكل علمى وغير مسبوق، لمواجهة المستقبل فى جميع المجالات.
خلال مداخلته فى قاعة الاحتفال، اختار الرئيس نموذج حماية الشواطئ، الذى تبنته الدولة المصرية فى «المنصورة الجديدة»، للتدليل على نهج الدولة المصرية الحالى فى مواجهة الأزمات.
أوضح الرئيس أنه كان من الممكن اللجوء إلى عمل حواجز مياه تتكلف المليارات، لحماية الشواطئ المصرية، وحماية إقليم الدلتا، إلا أن الدولة المصرية اختارت أسلوب المواجهة الشاملة، التى تستهدف تحقيق مجموعة كبيرة من الأهداف دفعة واحدة، ولذلك فقد تمت إقامة شاطئ ارتفاعه متر، يليه طريق بارتفاع متر آخر، ثم إقامة المبانى بعد ذلك، ومعنى ذلك تم رفع منسوب سطح الأرض بأكثر من مترين، استعدادا لأى ارتفاعات محتملة فى منسوب سطح البحر.
نموذج عملى صريح يوضح فكر ورؤية الرئيس عبدالفتاح السيسى فى مواجهة الأزمات، فالقضية ليست «علاجا مؤقتا» يؤدى الغرض بضع سنين وكفى، ولكن المسألة أعمق من ذلك، وهى كيفية وضع تصور شامل وعميق لحل المشكلة من جذورها، بما يضمن أعلى معدل كفاءة فى مواجهة الازمات، والقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
ما فعلته الدولة المصرية فى مواجهة أزمة ارتفاع منسوب سطح البحر المحتملة هو ما تفعله الدولة الآن فى كل القطاعات، تماشيا مع أسلوب المواجهة الشاملة والجذرية فى علاج الأزمات والمشكلات التى تراكمت خلال العقود الماضية، وكان لابد من مواجهتها بالحلول العلمية والعملية، وإلا فإن البديل هو ضياع الدولة وانهيارها.
«المنصورة الجديدة» نموذج عملى آخر فى مواجهة المشكلات المتراكمة منذ فترة طويلة.
الحلول العلمية والمدروسة كانت موجودة منذ فترة طويلة، والمشكلة كانت تكمن فى غياب الإرادة السياسية، لعدم القدرة على اتخاذ القرار، أو نتيجة الاستسلام للواقع المأزوم، وعدم الرغبة فى المواجهة.
استمعت إلى شرح د. عاصم الجزار أمام الحاضرين، وهو يعلن أن مخطط التطوير تم وضعه فى 2010، وشارك فى وضعه د. مصطفى مدبولى، ومعه د. عاصم الجزار، ونخبة كبيرة من الأساتذة والعلماء المتخصصين فى التنمية العمرانية، إلا أن تنفيذه ظل «محلك سر»، حتى جاء الرئيس عبدالفتاح السيسى، ليعطى إشارة البدء فى تنفيذ مخطط إنقاذ الدولة المصرية، ووضعها على خريطة المستقبل لمصلحة الأجيال القادمة.
كان التدهور قد وصل إلى مداه بعد أن تآكلت الرقعة الزراعية، وبعد أن كان عدد سكان مصر فى عصر محمد على نحو 4 ملايين نسمة، ومساحة الأراضى المزروعة نحو 4 ملايين فدان، أى بمعدل فدان لكل مواطن، بلغ الآن عدد السكان 104 ملايين نسمة، ومساحة الأراضى القديمة نحو 6 ملايين فدان، ليصل متوسط نصيب الفرد من الرقعة الزراعية نحو قيراط ونصف القيراط.
تدهور متوسط نصيب الفرد من فدان فى عصر محمد على إلى قيراط ونصف القيراط، وهى مساحة متدنية للغاية، لا تكفى سد احتياجات المواطن المصرى الضرورية من السلع الغذائية الزراعية أو اللحوم والألبان.
كان لابد من المواجهة ووقف التدهور، وإلا تفاقمت الأزمات مستقبلا، ويصبح من المستحيل علاجها.
لجأت الدولة المصرية إلى التوسع العمرانى والزراعى، ومضاعفة نسبة المعمور من 7٪ إلى 14٪، بعد فشل فكرة توسيع الأحوزة العمرانية، وعدم تحقيقها الأهداف التى تم وضعها من أجلها، وفى الوقت الذى لم يتم استيعاب الأراضى المضافة إلى الأحوزة العمرانية إلا بنسبة تتراوح من 25 إلى 39٪، فإنه تم التوسع العشوائى خارج الأحوزة العمرانية بنسبة تتراوح من 15٪ إلى 40٪ من المساحة المضافة للأحوزة.
من هنا كان لابد من وقف تلك المفاهيم والحلول التى لم تؤت ثمارها، والاتجاه إلى الحلول الجذرية التى تحقق البند السابع من الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وهو «الحق فى السكن اللائق».
إقليم الدلتا، الذى يضم 5 محافظات، شهد تجربة الإنقاذ والمواجهة مثله فى ذلك مثل باقى أقاليم الدولة المصرية، حيث كان عدد المدن به فى 2014 نحو 22 مدينة، وخلال الفترة من 2014 حتى 2022 ارتفع عدد المدن إلى 30 مدينة بزيادة 8 مدن جديدة، بالإضافة إلى 9 مدن أخرى تحت التخطيط.
هذه الزيادة فى المدن الجديدة ساعدت على استيعاب معدل النمو السكانى، الذى كان يبلغ فى 2014 نحو 160 ألف نسمة سنويا، وارتفع الآن إلى 500 ألف نسمة سنويا، أى بمعدل أكثر من 3 أضعاف الزيادة السنوية قبل 2014.
أيضا، فإن المدن الثمانى الجديدة التى تمت إقامتها فى إقليم الدلتا خلال السنوات السبع الماضية أدت إلى زيادة المساحة المعمورة فى الإقليم بنحو 1٫5 مليون فدان، وبمعدل سنوى 166 ألف فدان، وهو الأمر الذى تكلف ما يقرب من 333 مليار جنيه، بما يوازى 42 مليار جنيه سنويا، وذلك من أجل تغيير وجه الحياة فى الإقليم، وزيادة قدرته على استيعاب متغيرات الزيادة السكانية والعمرانية والاقتصادية.
الآن بدأ وجه إقليم الدلتا يتغير بافتتاح «المنصورة الجديدة»، لتكون باكورة سلسلة مدن الجيل الرابع التى تشمل “دمياط الجديدة، ورشيد الجديدة، والنوبارية الجديدة”، وغيرها من تلك المدن التى تستوعب الكثافة السكانية، وفى الوقت نفسه، تحافظ على الرقعة الزراعية، وكذلك تسهم فى إقامة المشروعات الصناعية والاقتصادية المتنوعة، لزيادة معدلات النمو الاقتصادى، وتعزيز سبل مواجهة كل التحديات المستقبلية.
القصة إذن ليست قصة مدينة جديدة أو طريق جديد، ولكنها قصة تنمية متكاملة ومستدامة، ورؤية علمية لحل مشكلات واقع عشوائى «مأزوم»، وصولا إلى مستقبل مشرق للأجيال المقبلة بإذن الله.
[email protected]لمزيد من مقالات بقلم ــ عبدالمحسن سلامة رابط دائم: