رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مئوية زكى شافعى مؤسس كلية الاقتصاد والعلوم السياسية

فى سبتمبر 1960، بدأت الدراسة بكلية جديدة فى جامعة القاهرة وهى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. كانت الدراسة بمبنى ملحق بكلية الحقوق، وتكونت نواة هيئة التدريس فيها من أساتذة أجلاء من كليات الحقوق والتجارة والعلوم والهندسة، وكان على رأسهم الأستاذ الدكتور محمد زكى شافعى مؤسس الكلية وأول عميد لها. وشهدت فترة عمادته التى استمرت حتى عام 1968 تخريج الدفعات الخمس الأولى على مستوى البكالوريوس، وبدء الدراسات العليا فى أقسام الكلية الثلاثة الاقتصاد والسياسية والإحصاء، وخلال هذه الفترة، واجه الرجُل عديدًا من التحديات.

تولى د. شافعى عمادة الكلية وهو دون الأربعين من عمره فقد ولد بالمنصورة عام 1922، وتخرج فى كلية الحقوق 1942، ثم سافر فى بعثة إلى الولايات المتحدة، حيث درس فى واحدة من أعرق جامعاتها وهى جامعة برينستون، وحصل منها على درجتى الماجستير 1947، والدكتوراه 1950. وعاد ليقوم بالتدريس فى كلية الحقوق حتى إنشاء كلية الاقتصاد واختياره عميدًا لها.

كتب الأستاذ مصطفى سامى الصحفى بالأهرام تحقيقًا فى سبتمبر 1960 تحت عنوان «مولود جديد فى جامعة القاهرة» عن هذه الكلية، فذكر أنها تهدف إلى تزويد جهاز الدولة بالخبرات المتخصصة فى ضوء التحولات الاقتصادية والاجتماعية التى شهدتها مصر فى هذه الفترة. وأشار الكاتب إلى لقائه مع د. شافعى الذى أوضح له أهمية الربط بين السياسة والاقتصاد والإحصاء فى كلية واحدة مستشهدًا بنموذج مدرسة لندن للاقتصاد والسياسة، وأن الكلية قبلت 150 طالبا فى سنتها الأولى، وأن الدراسة فيها سوف تعتمد على المناقشات بين الأساتذة والطُلاب بهدف تنمية القُدرة على البحث والتفكير المستقل.

كان على الرجل أن يواجه تحديات عديدة. منها، أن الجمع بين الاقتصاد والسياسة والإحصاء فى كلية واحدة كانت فكرة جديدة، فقد كانت هذه التخصصات موزعة بين عدة كليات، وكان لا بد من إعداد برنامج دراسى يتحقق فيه دراسة الطالب للمبادئ الرئيسية فى هذه التخصصات مع التخصص المتعمق فى أحدها. ومنها، إيجاد هوية مشتركة لأعضاء هيئة التدريس الذين أتوا من كليات مختلفة ومصادر فكرية متنوعة. فكان منهم، من كلية التجارة الدكاترة أحمد أبو إسماعيل ووهيب مسيحة (اقتصاد)، ومحمود خيرى عيسى وعبدالملك عودة (سياسة) وميدنى دسوقى وعبدالرحمن البدرى وسليمان نور الدين وعبدالمجيد فراج (إحصاء). ومن كلية الحقوق، أحمد سويلم العمرى وبطرس غالى وحامد ربيع وعز الدين فودة (سياسة)، وسعيد النجار ورفعت المحجوب ولبيب شقير (اقتصاد). ومن كلية الهندسة، صليب روفائيل (إحصاء)، ومن كلية العلوم، أحمد عمر (إحصاء).

وعلى مستوى العمل اليومى، كان على د.شافعى أن ينتقل يوميًا بين مبنيين، الأول هو ملحق كلية الحقوق الذى يتلقى فيه الطلاب محاضراتهم، والثانى مبنى إدارة كلية الاقتصاد خارج سور الجامعة والذى شغل فيلا صغيرة بالقرب من مبانى كلية الهندسة حاليًا، وفى هذا المبنى كان يوجد مكتب العميد ومكاتب موظفى الكُلية، وكان أيضا على الطلاب أن يتنقلوا بين المبنيين لإتمام أى عمل مع إدارة الكلية. وإلى جانب إنجازه المؤسسى فى وضع الأساس لكلية فريدة، اكتسب د. شافعى خبرات متنوعة، فعمل على المستوى الدولى خبيرًا بالإدارة الاقتصادية بالأمانة العامة للأمم المتحدة، والمستشار الإقليمى لتخطيط التنمية بمكتب الأمم المتحدة للشئون الاقتصادية والاجتماعية. واختارته الأمم المتحدة عضوًا فى أكثر من لجنة خبراء، مثل اللجنة التى شكلها مؤتمر الأمم المتحدة عن البيئة الإنسانية 1971 لإعداد تقرير عن التنمية والبيئة، ولعل هذا يذكرنا بأن الاهتمام العالمى بموضوعات البيئة بدأ منذ أكثر من نصف قرن. وفى مصر، عمل أمينًا مساعدًا للجامعة العربية للشئون الاقتصادية عام 1974، ووزيرًا للاقتصاد والتعاون الاقتصادى فى أول وزارتين للسيد ممدوح سالم 1975 -1976. يعتبر د. شافعى من أبرز أساتذة الاقتصاد فى مصر، ودرست على يديه أجيال متعاقبة من الباحثين.

ترك الرجل تراثًا غنيًا من المؤلفات العلمية، كان أولها مقدمة فى النقود والبنوك عام1950. وكان من أوائل من ألفوا فى موضوع التنمية الاقتصادية، وربط مشاكلها بوجود العلاقات غير المتكافئة بين الدول المتقدمة والدول النامية. وفى هذا السياق، شارك فى الوفود المصرية فى عدد من أهم المؤتمرات الدولية المتعلقة بالتنمية، مثل مؤتمر التجارة والتنمية عام 1964، ومؤتمر مجموعة الدول السبع والسبعين 1967، ومؤتمر التجارة والتنمية 1968.

كان العميد المؤسس كريمًا فى علاقاته الإنسانية، فنجح فى جمع أعضاء هيئة التدريس حوله وكسب احترامهم ومحبتهم مع أن كثيرًا منهم فاقه سنًا، كما نجح فى ربط طلاب الكلية به وكان حانيًا عليهم وشجع المتفوقين منهم. وأذكر أنه بعد ظهور نتائج السنة الأولى بالكلية فى مايو 1961، نظم للثلاثة الأوائل تدريبًا صيفيًا بقسم البحوث بالبنك الأهلى وكانوا بالترتيب (جودة عبدالخالق وعلى الدين هلال وزميلة أذكر أن اسمها الأول كان نادرة). كان مكتبه مفتوحًا أمام طلاب الكلية من كل الأقسام، ولم نتردد فى الذهاب إليه للاستفسار عن موضوع أو الاسترشاد برأيه فى مشكلة تواجهنا. وقضى فى الكلية ساعات طويلة كل يوم، وكان كثيرًا ما يأتى إلى الكلية على قدميه فقد كان يسكن أمام حديقة الأورمان بالقرب من الجامعة.

سجله حافل بالعطاء الأكاديمى وفى مجال خدمة بلده، وقد تميزت شخصيته بالابتعاد عن زخارف الحياة وبهرجتها، واتسم سلوكه دومًا بتواضع العلماء والواثقين فى أنفسهم. لذلك كان من الطبيعى أن يحمل المُدرج الأكبر بالكُلية اسم زكى شافعى.

فتحية لهذا العالم الجليل فى ذكرى مئويته.


لمزيد من مقالات د. على الدين هلال

رابط دائم: