رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هل من طريق لبناء الذات الأخلاقية؟

تلتف الذات الأخلاقية حول محاور أربعة تشكل بناءها النفسى وتوجهاتها واختياراتها فى العالم؛ وهذه المحاور الأربعة هي: فيض أخلاقى يتدفق من تلقاء نفسه عبر إرادة أخلاقية قوية؛ وعقيدة راسخة لمعرفة الحق الذى يفضى إلى معرفة الواجب؛ والقدرة المستمرة على العطاء الذى يتجسد فى صور متعددة من المعروف الذى ينثر فى كل الأرجاء دون حيدة عن الحق ودون تقصير فى أداء الواجب؛ وتفاعل خلاق مع الآخر ينتج تبادلاً إيجابياً خلاقاً تغلفه روح الثقة والتعاون والوئام. وتؤسس الذات الأخلاقية لعلاقات اجتماعية هى الأساس فى نظم المجتمع أو حقوله؛ فهى تؤسس لعلاقات اقتصادية منتجة قادرة على إنتاج الثروة وتراكمها عبر الزمن؛ وعلاقات سياسية تقوم على التعددية والقدرة الفائقة على تحقيق الهدف وإدارة الاختلاف وهندسة الاتفاق؛ وعلاقات اجتماعية اندماجية لإنتاج التضامن الاجتماعى وتكوين رأس المال الاجتماعى الذى يمكن الذوات من أن تتفاعل بأكبر درجة من الإيجابية والقدرة على العطاء والتطوع والمبادأة والتوق الدائم إلى خدمة المجتمع؛ ثم أخيراً بناء العلاقات التأطيرية التى تكون مسئولة عن بناء الذوات وتكوينها لتكون ذواتا منتجة بكفاءة عالية ودافعية إيجابية. وإذا كانت هذه المنظومة الأخلاقية تشكل نمطا مثاليا قد لا يوجد فى الواقع على هذه الدرجة من النقاء؛ فإن السؤال يكون حول الطريق الذى يتكون به الاقتراب من هذا النمط المثالي: كيف تتأطر الذات الأخلاقية؟ يتعلق السؤال بعملية بناء الذات الأخلاقية، ولاشك أنها عملية معقدة تستغرق وقتا طويلا ولذلك فإننا يجب أن نستبعد بداءة كل الأساليب التكوينية التى تفترض أن الذات يمكن أن تتشكل عبر دورات من الوعظ والارشاد. حقيقة إن التوجيه والارشاد يمكن أن يصقل الذات ويهذب مسارها، ويسهم فى تأصيل وتأكيد ما رسخ فى عقلها أو وجدانها من قيم، أو حتى تغييره بشكل جزئى أو كلى (كما يحدث عندما تتعرض الذات لعمليات من المذهبة العقدية أو الأيديولوجيا)، ولكن التوجيه والارشاد لا يمكن أن يبنى الذات من أساسها. فتلك كما ذكرت عملية معقدة، نحاول أن نتلمس جوانب من مكوناتها فى هذا المقال.

تحتاج عملية تأطير الذات أولا إلى بيئة تمكينية؛ واقصد بها السياق المحيط الذى يمنح الذوات قدرة على النمو والتجدد الدائم، بل ويمنحها قدرة على أن تطور من داخلها الفيض الأخلاقي. ويمكن التركيز هنا على عنصرين فقط فى قضية البيئات التمكينية؛ أولهما الأطر الفكرية السائدة فى المجتمع، وأقصد بها مجموعة القيم المركزية التى يحددها الدستور، والتوجهات العامة للخطاب السياسى والاجتماعي. ويتمثل المكون الثانى فى الأسرة، التى يولد فيها الفرد، والتى تتشكل الذات فى كنفها منذ اليوم الأول للولادة. ولاشك أن أشكال التربية التى تنبع داخل الأسرة، وما يحيط بها من توجهات وأهداف تؤثر تأثيرا كبيرا على الطريقة التى تنمو بها ذات الطفل. هذا فضلاً عن المستوى التعليمى والثقافى للوالدين، وطبيعة الاهتمامات التى ينشغلون بها، وأساليب حياتهم وجودتها. من هنا من داخل الأسرة تُبذر البذور الأخلاقية الأولى؛ ومن خلال الأسرة ترتقى هذه الأخلاق وتتطور فى مسارات مختلفة وفقاً للبذرة التى وضعت داخل الأسرة، تساندها بطبيعة الحال استعدادات وراثية وبيولوجية لا ينكرها البحث العلمى المعاصر.

ولكن بناء الذات الأخلاقية لا يكتمل بالسياق الذى تشكله البيئات التمكينية فقط؛ فهى تعمل بمثابة الحوافز أو الحواضن التى تدفع بالفيض الأخلاقى أو تقبضه. أما بقية العمليات التكوينية فإنها تصاحب المسيرة التى تشكل خبرة الذات بعد الخروج من الأسرة، حيث تكون المدرسة والجامعة من بعدها العامل الرئيس فى ارتقاء الأخلاق. ويمكن القول ببساطة – واعتماداً على نتائج بحوث تربوية - إن الأخلاق ترتقى عبر العمليات التعليمية من خلال مؤثرات ثلاثة: طبيعة المعارف التى يتم تحصيلها فى العملية التعليمية من حيث نوعية المعرفة وشمولها وتنوعها؛ وطبيعة الأساليب التربوية المستخدمة وما تتسم به من تنوع ومشاركة وديمقراطية وما يصاحبها من أنشطة تغرس القيم الأخلاقية المثالية؛ وأخيراً نوعية المدرسين الذين يشكلون عقول التلاميذ، عبر ما تمتلئ به رءوسهم من رؤى للعالم، وعبر تفهمهم للعملية التعليمية وأدوارهم فيها، ومدى شعورهم بالمسئولية الأخلاقية تجاه الصغار.

وثمة مؤثرات تكوينية أخرى، ولكن دورها لا يكون مباشراً كما هو الحال فى المدرسة أو حتى فى الأسرة. ومن أهم هذه المؤثرات جماعات الرفاق التى ازداد دورها فى المجتمع المعاصر على أثر الانتشار الواسع لثقافة الاستهلاك التى أتاحت للشباب أشكالًا من الترفيه وأماكن للتجمع والاسترخاء لم تكن موجودة من قبل؛ وشبكات التواصل الاجتماعى التى فاق تأثيرها أى تأثير آخر وفتحت الباب على مصراعيه لتدفقات مختلفة الألوان والمرامى لممارسة أشكال من الحرية لم تكن موجودة من قبل. إن هذه المؤثرات غير المباشرة تشكل العالم الذى تتفاعل معه الذات، وهى لا تفلت أبداً من تأثيره البانى أو الهادم.

ومن الواضح أن كل أشكال التكوين التى أشرنا إليها هى أشكال تؤثر على الذات من الخارج خاصة فى مراحل الارتقاء الأولى. ولكن عندما تشب الذات عن الطوق وتبدأ فى تكوين إدراكات واعية لوجودها ومصيرها فإنها يمكن أن تختار مسالك بعينها تؤدى بها إلى قدر كبير من بناء الأخلاق على أسس اختيارية، بحيث تبنى الأخلاق فى داخل الفرد ولا تأتيه من الخارج فقط، حيث يتكون هنا شعور عميق بالواجب ومعرفة الحق وإسداء المعروف عبر الاختيار الحر والعقلاني. وقد تعمل الذات هنا على الارتباط بنماذج سلوكية معينة يقدمها أفراد من أصحاب الفيوض الأخلاقية (فى المجتمع بعامة أو فى مجال العمل)، بل إن هذه النماذج قد تكون نماذج تاريخية من أصحاب العلم أو الفكر. وبعد فإن مصادر تكوين الذات الأخلاقية قد تتعدد، ولكن أى منها أو جميعها لا تأخذ الذات إلى النمط المثالى الأخلاقى، ولكنها قد تقربها منه بدرجات متفاوتة. ويبقى الأمل معقودا على الدأب الأخلاقى للذات، وسعيها المستمر إلى الكمال، والالتصاق بالنماذج الأخلاقية الفذة، لكى تقترب أكثر من عالم المثل الأخلاقية.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: