رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مصر المحروسة

عندما تصدت مصر لمهمة عقد قمة المناخ - كوب ٢٧- فى مدينة شرم الشيخ فإنها لم تكن تتصدى لمهمة دبلوماسية إفريقية فقط تقوم على تتابع الأدوار القارية، أو أنها متأثرة بالنتائج السلبية للتغيرات المناخية فحسب، وإنما لأنها تؤمن بأن سلامة الكوكب باتت معرضة للخطر. وعندما يكون ذلك كذلك فإن الدول والأمم النامية الأقل حظا فى العالم سوف تكون الأكثر تأثرا من التغيرات المناخية. ولكن من ناحية أخرى فإن الأزمة المناخية بقدر ما تشكل خطرا فإنها تمثل فرصا كثيرة ناجمة عن جيل جديد من التكنولوجيات العالمية الخضراء التى يمكن بالجهد والعمل أن تكون نقطة بداية جديدة. نظرية التنمية علمتنا أن القادمين الجدد أو The New Comers إلى ساحة الحداثة والتقدم فى العالم لديهم فرصة استخدام أعلى مراتب التكنولوجيات الجديدة دون المرور بكل المراتب التى نبتت مع الثورات الصناعية الأولى والثانية. ومن يراجع آخر منتجات المشروع الوطنى المصرى خلال السنوات الأخيرة فسوف يجد أن كثيرا مما جاء فيه كان مرتبطا بالثورة الخضراء. مشروع الدلتا الجديدة ومعه مشروع توشكى القديم الذى بات جديدا، بكل ما فيه من تكنولوجيات جديدة موفرة للمياه، وذات الإنتاجيات المرتفعة فى المحاصيل؛ وما توازى مع ذلك من استصلاح الأراضى فى سيناء اعتمادا على إعادة تدوير المياه هى كلها إشارات إلى مسار نسير فيه. وربما لا تكون هناك مصادفة أن القانون الجديد المشجع والمحفز لتصنيع سيارات جديدة صديقة للبيئة تسير فى ذات الاتجاه الذى تعبر عنه حافلات المونوريل التى دخلت مراحلها التجريبية. لقد تأخرت مصر كثيرا عن الثورات الصناعية الأولى والثانية، وعندما جاءت الثورة الثالثة الرقمية فى تسعينيات القرن الماضى كانت وجهة نظر الصديق والأخ د. محمد السيد سعيد رحمه الله أن اللحاق بها فورا هو المهمة الأولى للعمل الوطنى قبل انتهاء القرن العشرين.

هذه المرة فإن التصميم واضح على ألا تفوتنا هذه الثورة الرابعة التى تعطى اهتماما واسعا للاقتصاد الأخضر بتفريعاته المختلفة فى مجال الطاقة (الهيدروجين الأخضر)، والطاقة النظيفة المتجددة الشمسية والرياح، والغذاء فى المجالات الزراعية المختلفة. وللحق كان لدى مصر الكثير مما تقدمه لمؤتمر المناخ من تجارب وقع فى مقدمتها مدينة شرم الشيخ ذاتها التى فضلا عن بهائها المعتاد، فإنها أخذت خلال الشهور الماضية عمليات تجديد واسعة النطاق أضافت بنية تحتية هائلة لسياحة المؤتمرات الدولية الكبرى كريمة الهدف. فى مصر كلها كان التاريخ يبرز فى سلسلة متاحف رائعة يقع فى مقدمتها “المتحف المصرى الكبير”، والآخر للحضارات؛ أما الحاضر فمثلته مدن ومشروعات بنية أساسية. وبصراحة ورغم الأزمة العالمية ممثلة فى حرب أوكرانيا، والاقتصادية ممثلة فى الركود التضخمى العالمي، وتأثير هذا وذاك على مصر، ورغم ذلك كله فقد كان لدى مصر ما تقصه على الدنيا القادمة من بلاد كثيرة. هذه الحالة المصرية الفريدة فى التعامل مع قمة المناخ واجهت الكثير من التحديات التى لا تتحدى ما تقوم به من بناء، وإنما تسعى إلى تقويضه فى سابقة غير مسبوقة فى التعامل مع مؤتمرات المناخ المختلفة والتى كان آخرها فى جلاسجو البريطانية.

بداية التحديات جاءت فورا عندما تأكد قيام مصر باستضافة قمة المناخ عندما تسارعت جماعات حقوقية إلى رفض الاستحقاق المصري. لم يوضح أحد علاقة ذلك بقضية الكوكب المعرض للخطر، وعما إذا كانت مصر تقوم بأكبر عملية تغيير فى تاريخها لكى تكون حديثة ومتقدمة. الموجة الثانية كما هى العادة جاءت من أوركسترا جماعة الإخوان المسلمين فى عواصم شتى زاعمة أن أحدا لن يأتى إلى المؤتمر من قادة العالم المرموقين؛ وأن مصر ليست جاهزة للتعامل مع هذا الجمع الدولى الكبير. وبنوع من خفة يد المعروفة عن الإخوان بدأت عملية حشر أسماء «قادة رأى» واقعين فى أحكام جنائية من أجل الإفراج عنهم. لم يقل لنا أحد أبدا عن ذلك الرأى الذى قيل ويقدم مشروعا وطنيا مخالفا للمشروع الوطنى القائم، ولا عن كتاب شرح فيه أمرا جديدا، ولا عن حزب سياسى حاز فى أى وقت أصوات كاسحة. لم يكن هناك أبدا إلا التحريض على الفوضى والاعتصام الذى أخذ دولا فى المنطقة إلى الخراب. الموجة طالت بعض قادة الدول الذين يريدون مراضاة جماعات محلية مريضة فى أن ينحرف المؤتمر عن أهدافه العالمية النبيلة لكى يسير فى المحاجاة حول قضايا لا علاقة لها بالمؤتمر. وبالفعل جاء الأول افتعالا بأن ملك بريطانيا لن يحضر، ثم قررت رئيسة الوزراء ليز تراس أنها لن تحضر وبعد استقالتها أكد رئيس الوزراء الجديد رتشى سوناك أنه لن يحضر، وعندما قرر الحضور أكد أن موضوع علاء عبدالفتاح سوف يكون على رأس اهتماماته. لم يكن هناك ما يقلق رئيس وزراء بريطانيا فى المناخ وما وصل إليه حال كوكبنا، وإنما حالة مصرية حسمها القضاء المصري. المفوض العام للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أعطى لنفسه سلطات التدخل فى الشئون المصرية فى قضايا لا يعرف عنها شيئا ولم يقرأ من ملفاتها حرفا. الموجات كانت كثرا، ولإعطائها نوعا من الدراما جرى الحديث والتعبئة لقيام ثورة جديدة فى ١١ نوفمبر. النتائج بعد ذلك كله باتت معروفة الآن، وقد جاء المؤتمر وذهب بنجاح ساحق، جاء الرئيس بايدن وتزاحم قادة الدول فى الحضور، وحتى السيدة بيلوسى أعطت لنفسها جائزة النجاح فى انتخابات مجلس النواب، والاحتفال بسلامة زوجها بعد الاعتداء عليه، بزيارة مصر ولقاء الرئيس السيسى والحديث معه عن قضية المناخ والعلاقات الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة. الحقيقة المؤكدة هى أن كثيرين فى العالم سوف يموتون بغيظهم.


لمزيد من مقالات د. عبدالمنعم سعيد

رابط دائم: