رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هل يتواكب التعليم مع التغير المناخى؟

يأخذ موضوع تغير المناخ مساحة كبيرة من الاهتمام العالمي، يمكن أن ندركها من طبيعة الموضوعات التى تناقش فى مؤتمر المناخ المنعقد الآن فى شرم الشيخ، فى دورته السابعة والعشرين، ومن حجم التدفق فى البحوث العلمية والتقارير الدولية حول مختلف قضايا المناخ. وتأتى قضية التعليم كواحدة من القضايا التى أخذت مساحة كبيرة من النقاش. فقد تركت التغيرات المناخية آثاراً كبيرة فى كثير من مجتمعات العالم تمثلت فى الفيضانات وحرائق الغابات، والجفاف، والتصحر، وارتفاع منسوب مياه البحار لتهدد بغرق أجزاء من العمران الشاطئ. ولقد أكدت الدراسات أن هذه الآثار لها تأثير كبير على مسار العملية التعليمية، فهى تمنع التلاميذ من الانتظام فى المدارس، وتخلق صوراً من الفزع فى نفوس الأطفال لتؤثر على تحصيلهم الدراسي، وعلى نموهم العقلي، هذا فضلاً عما تسببه هذه الظروف من قلقلة السكان ونظم العمران وما يترتب عليه من آثار نفسية واجتماعية. ومن المعروف أن آثار التغيرات المناخية أكثر ظهوراً وأشد خطورة فى المجتمعات النامية و الفئات الفقيرة والهشة.

وهنا تنبجس مجموعة من الأسئلة المهمة: ألا يمكن أن نطور نظمًا تعليمية مستدامة قادرة على أن تتعامل مع آثار التغير المناخي؟ وكيف يمكن أن ندمج قضايا المناخ فى سياسات التعليم ونظمه المنهجية والتربوية؟ وما أهم التحديات التى تواجه مثل هذه العملية؟ هذه أسئلة نحاول أن نجادل حولها فى هذا المقال. نعم نستطيع أن نطور نظمًا تعليمية تتواكب مع قضايا المناخ. وتوصى الدراسات فى هذا الصدد بتبنى مناهج جديدة لما يسمى التعليم المستدام الذى يهدف إلى بناء المعارف والمهارات جنباً إلى جنب مع بناء القيم والاتجاهات الإيجابية نحو الحياة والمستقبل. وتفهم الاستدامة هنا بمفهوم واسع يربط التعليم بكل أوجه التنمية المستدامة وأهدافها؛ كالقضاء على الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإتاحة الفرصة لمزيد من المشاركة للفئات الضعيفة، وتطوير الوعى بقضايا المناخ. وعندما نربط التعليم بالاستدامة فى التنمية فإننا نكون بصدد بناء أجيال جديدة قادرة على أن تدير المستقبل بأساليب جديدة يأتى التعامل مع قضايا المناخ على رأسها. ومن هذا المنطلق يتم تطوير نماذج تعليمية مختلفة مثل نموذج التعليم الموجه بقضايا المناخ، ونموذج التعليم من أجل تكوين المواطن الصالح القادر على إدارة حياته وبيئته بطريقة إيجابية، والتعليم التحويلى الذى لا يهدف إلى تكوين المعارف والمهارات فحسب بل يبنى العقول القادرة على التكيف عبر الزمن، والتعليم التشاركى والتعلم بالخبرة الذى يعطى للمتعلمين الفرصة للمشاركة فى صناعة مصائرهم التعليمية، وفى صياغة مستقبل حياتهم.

ولاشك أن مثل هذه النماذج التعليمية تمكننا من أن ندمج قضايا تغير المناخ فى المناهج، وفى عمليات التربية المدرسية، وفى تكوين المدرسين، وهى ثلاث قضايا مهمة فى العملية التعليمية. فالمناهج فى مثل هذه الحالة تحتاج إلى إعادة بناء بحيث تنثر داخلها بشكل مباشر وغير مباشر قضايا وأسئلة حول المناخ. ينطبق ذلك على كل المناهج بدءاً من الفيزياء والكيمياء وحتى التاريخ والجغرافيا واللغات والعلوم الاجتماعية؛ فقضايا المناخ ليست فقط قضايا ذات أبعاد طبيعية وبيولوجية وجغرافية ولكنها قضايا تتعلق بالعمران: سياسة واقتصاداً واجتماعاً وثقافة. ولا يكتمل الموضوع إلا بأساليب تربوية مبتكرة تلتزم بالمنهجية التربوية المشتقة من أساليب التعليم التحويلية والتشاركية والمدنية. ومن أمثلة هذه الأساليب التدريب على الجمع بين التعليم المباشر والتعليم عن بعد، وتنمية القدرة على التعلم الذاتي، والقدرة على البحث والابتكار والإبداع، والتشجيع على التنافس وطرح المبادرات حول قضايا المناخ وحول بناء المستقبل، وطرح مناقشات حول أفضل أشكال الحياة (الحياة الخضراء فى مقابل الحياة الجافة)، ورفع مستوى القدرة على التمييز بين الماضى والحاضر والمستقبل، وفهم المشكلات والتحديات المعاصرة (وعلى رأسها قضايا المناخ)، والتدريب على طرح الحلول لها. ولا تكتمل العملية التربوية إلا بالضلع الثالث الذى يتعلق بتكوين المعلمين وتأطير عقولهم لتتحول إلى عالم التفتح والتجديد والابتكار فى العمليات التربوية، وتتحول أيضاً إلى التفتح على فهم القيم المدنية الحديثة التى تسهم فى بناء المواطن الصالح.

وأخيراً يأتى السؤال: هل الطريق إلى تحقيق ذلك هو طريق ممهد وميسور أم أن هناك تحديات كبيرة يمكن أن تكبحه؟ لاشك أن الخطاب المعاصر حول قضايا المناخ قد فتح الطريق، وما علينا إلا أن نواصل السير فيه، فالطرق تتعبد بالسير فيها لا بتركها لتنمو عليها الحشائش. ولقد بدأت مصر خطوات فى هذا الطريق عبر العمل على تطوير المناهج وتدريب المدرسين، ولكن ثمة مزيداً من العمل فى انتظارها، ولعل أول خطوة فى هذا العمل هى الوعى بالتحديات التى تواجهه، والوعى بأهمية تحفيز المجتمع ككل ليسهم فى عمليات بناء النظم التربوية الجديدة. وعند الحديث عن التحديات فإننا لن نتحدث هنا عن التحدى الاقتصادى بل سوف نكتفى بالتحدث عن التحدى الثقافي؛ ذلك الذى يرتبط بالوعى الثقافى العام بقضايا المناخ والبيئة، وثقافة التعليم السائدة فى الأسرة المصرية. فلا تزال العلاقة بالبيئة وبالأرض علاقة لا خضرة فيها، ولا وعى بقضايا النظافة والمحافظة على المياه وأهمية المساحات الخضراء. كما لا تزال ثقافة التعليم حريصة على الشهادة أكثر من حرصها على تغيير القيم والاتجاهات. وفى اعتقادى أن تغيير هذه الثقافة يعد مطلباً ضرورياً فى الوقت الراهن. فمصر التى علمت العالم كيف يزرع القمح وكيف يخزن الحبوب لقرون عديدة، والتى نصت شرائعها القديمة على عدم تلويث النهر واعتباره جريمة، ولاشك أن شعبها قادر على أن يستعيد هذه الروح وأن يطور ثقافة جديدة فى مجتمع جديد. ويحتاج هذا إلى بيئات تمكينية تبدأ بالإرادة السياسية والتشريعية، وتتوسع لتشمل المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والأسرة وذلك كله من أجل حياة تشاركية. فليس الاقتصاد الأخضر والتعليم الأخضر والمدرسة الخضراء هى المقصد فقط، وإنما العمل التشاركى الكبير لبناء مجتمع المستقبل أيضاً.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: