رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هل انتهت أسطورة العولمة ؟

سوف يتوقف التاريخ طويلا عند تلك الفترة الكئيبة التى يعيشها العالم اليوم وسوف يقول كلاما كثيرا ويكشف الأدوار والقصص والحكايا..إن العالم يعيش الآن فترة من أسوأ الفترات التى اختلطت فيها الأحداث والأوراق، ولعل اخطر ما فيها عنصر المفاجأة فقد جاءت بعيدا عن كل التوقعات والحسابات لتهبط على العالم وتغير كل الخطط والأهداف..

ـــ على جانب آخر فإن ما يحدث الآن فى كواليس السياسة والجيوش أشياء غامضة لا يستطيع احد أن يتنبأ بالقادم منها، وفى ظل قرارات متضاربة وأشخاص يديرون المعارك لا يستطيع احد أن يحدد المنتصر والمهزوم..وسط هذا الدمار الذى يهدد العالم يمكن أن نكتشف خسائر تحققت وأفكار سقطت والبقية تأتى..

ـــ فى تقديرى أن هناك فكرة كبرى سقطت وكانت أولى ضحايا حالة الفوضى التى اجتاحت العالم كله وهى العولمة..هذا النوع من أفكار أسلحة الدمار الشامل يوشك أن يأخذ مكانا فى صفحات التاريخ المنقرضة..كانت هوجة العولمة قد اجتاحت شعوب العالم ووجدت حشودا تروج لها من اجل عالم جديد وحياة جديدة ابتداء بإلغاء الهويات والأصول والثوابت وانتهاء بموارد وثروات الشعوب..

ـــ وأخذت العولمة عدة مسارات مدروسة ومنظمة..

أولاً: كانت التكنولوجيا هى الحصان الرابح الذى تصور كهان العولمة أنها السلاح الأخطر فى تغيير كل شيء ابتداء بمايكروسوفت وايفون وشبكات التواصل الاجتماعى والأقمار الصناعية وفيس بوك وانستجرام والصناعات الحديثة..وإلغاء المسافات والخرائط، بحيث تحول العالم إلى قرية صغيرة تديرها بعض الزراير من واشنطن والعواصم الكبرى..وكانت سلاسل الفضائيات قواعد للسيطرة بدلا من الجيوش والاحتلال والنفوذ..ولا بد أن نعترف بأن التكنولوجيا غيرت شعوبا كثيرة ونجحت فى إذابة الفوارق فى السلوك والأخلاق ومظاهر الحياة..

ثانياً: كان هناك هدف أخر لمنظومة التكنولوجيا وهى ثقافة الشعوب لغة وأخلاقا وسلوكا وهبطت على الشعوب دعوات غريبة لتغيير السلوك والاعتداء على قدسية الأديان والمثلية والشذوذ وروجت لنشر هذه الدعوات من خلال جماعات انتشرت فى دول العالم كله ووجدت من يروج لها ويشجعها..

ثالثاً: كانت الأديان هى الهدف الأكبر لطوفان العولمة، وكان الإسلام هو هدفها الأول وبدء التشكيك فى القرآن الكريم والرموز الإسلامية والشريعة..وجند دعاة العولمة أعدادا كبيرة فى الدول الإسلامية لتشويه دينها نصا وقرآنا ورموزا وأحداثا وانفق دعاة العولمة ملايين الدولارات لشراء الضمائر والذمم..

رابعا: كانت اللغة العربية من ضحايا العولمة حين انتشرت اللغات الأجنبية والتعليم الأجنبى وبدأ التمييز بين اللغة الفصحى والعامية وتحولت أسماء منشآت كثيرة إلى اللغات الأجنبية من المدارس والجامعات والنوادى والمطاعم وكادت الشعوب العربية أن تنسى لغتها أمام أجيال تتعلم وتتكلم اللغات الأجنبية..وكان انتصار العولمة فى قضايا الفكر والأديان والسلوك والأخلاق شيئا مخيفا ومزعجا..

خامسا:كانت العولمة وراء تشويه هوية الشعوب والتشكيك فى ثوابتها ومقدساتها دينا وأخلاقا وسلوكا، على اساس أن المطلوب تغيير هوية الجنس البشرى وتوحيده جنسا وثقافة ودينا ولغة وسلوكا، ولاشك أن العولمة إنجزت الكثير حين وحدت أمريكا العالم طعاما وملبسا وسلوكا وفنونا وغناء ورقصا وانتشرت منتجات أمريكا فى كل بلاد العالم..

سادسا: كانت أطماع العولمة أن تصنع صورة موحدة للعالم والحياة وأن تتوحد كل الشعوب تحت راية جنس بشرى واحد ولغة واحدة وأن تكون العولمة آخر صورة للاحتلال الجديد بلا جيوش أو معارك وأن تلغى كل الفواصل والقيود أمام دولة كونية موحدة..

سابعاً: كان ذلك يتطلب تغيرات فى مكونات الجنس البشرى، بحيث يسود جنس واحد مع وضع خطط لتقليل أعداد السكان فى دول العالم حتى لو تطلب الأمر تغييرات فى الجينات والتخلص من بعض الشعوب المتخلفة لأنها تمثل أعباء على التقدم والحضارة ولا مانع من استخدام الفيروسات والأوبئة،كما حدث فى كارثة كورونا..كما أن الحروب الحديثة يمكن أن تكون وسيلة للتخلص من جزء كبير من العنصر البشرى..

ـــ إن الشيء المؤكد أن هدف العولمة كان واضحا وصريحا وهو تطهير العالم من أجناس ولغات وثقافات وأديان، لا تتناسب مع قيم وأفكار عالم عصرى جديد..كانت العولمة تمضى نحو أهدافها وقد حققت منها الكثير حين سيطرت التكنولوجيا على أسرار الشعوب وأصبحت الأديان مجالا للشك وتهمشت اللغات وانتشرت دعوات الشذوذ بين أجيال جديدة وسادت أنواع شاذة من الفنون وكانت الحرب الروسية الأوكرانية وسيلة لاستعراض الأسلحة الحديثة فى الحروب ابتداء بأشعة الليزر وانتهاء بقنابل الموت..

ـــ إن الكوارث التى حلت بشعوب العالم كانت أول إنذار بسقوط العولمة، لأنها اولاً سقطت فى بلادها وثانيا دفع العالم ثمنها بمن فى ذلك من نشرها وروج لها وقبل ذلك كله لا أحد يعرف المستقبل الغامض الذى ينتظر الجميع..إن الحرب الروسية الأوكرانية بداية لرسم خريطة عالمية جديدة سوف تقسم العالم كله وفى ظل العالم الجديد سوف تكون العولمة أول ضحايا الانقسامات..وقد تكون من أهم أسباب الكوارث القادمة إذا دخلت التكنولوجيا الصراع واستخدم أنصارها السلاح النووى فى تدمير العالم..

ـــ إن اخطر ما حدث فى العالم هذا الانقسام بين القوى التى كانت تمثل مصادر الدعوة وكل يشكلها كما يريد..كانت مصادر العولمة فى أمريكا غير روسيا غير أوروبا وكانت الأطماع تتجه إلى العالم الفقير لأنه يستجيب لكل شئ انه على استعداد لأن يتخلى عن ثوابته ولغاته ومعتقداته وأفكاره تحت شعار التقدم والحداثة..وهناك شعوب فرطت فى كل ثوابتها وتحولت إلى أشباح غريبة سعيا وراء التقليد الأعمى والانبهار المجنون..والآن يواجه العالم تحديات جديدة، لأن العولمة لن توفر الطعام والبترول والحماية من الفقر، إنها فكرة كونية فقدت بريقها وانقسمت على نفسها وأصبحت صفحة من التاريخ أخذت بعض الوقت وانقرضت..

ـــ لم تكن العولمة مجرد فكرة طافت فى عقول البعض ولكنها كانت مشروعا استعماريا جديدا يسعى لتغيير العالم على طريقته..كان يهدف إلى احتلال العقول وليس السيطرة على الأرض وامتلاك البشر قبل الثروات وإعادة تشكيل الكون ثقافة ولغة واديانا، بحيث يصبح كما يقال الآن قرية صغيرة ولكن الأشياء انقسمت على بعضها وأصبحنا أكثر من فريق وكانت العولمة أولى الضحايا..وعلينا أن ننتظر القادم لأنه الأسوأ والأخطر..

 

..ويبقى الشعر

مَا زالَ يرْكضُ بَيْنَ أعْمَاقى

جَوادٌ جَامحٌ..

سَجنوهُ يوما فى دُروبِ المسْتحيلْ..

مَا بَيْنَ أحْلام الليَالى

كانَ يَجْرى كلَّ يَوْم ألفَ مِيلْ

وتكسّرتْ أقدامُهُ الخضراءُ

وانشَطرتْ خُيوط ُالصُّبح فى عَيْنيهِ

وَاختنق الصَّهيلْ

مِنْ يومها وقوافِلُ الأحْزان تـَرتـعُ فى رُبُوعى

والدّماءُ الخضْرُ فى صَمتٍ تسيلْ

من يَومهَا.. والضَّوءُ يَرْحلُ عنْ عُيونى

والنـّخيلُ الشـّامخُ المقهُورُ

فِى فـَزع ٍ يئنٌ.. ولا يَمِيلْ..

مَا زالتِ الأشـْبَاحُ تسْكرُ مِنْ دمَاءِ النيلْ

فلتخبرينـِى.. كيف يأتى الصُّبْحُ

والزمَنُ الجمِيلْ..

فأنا وَأنت سَحَابتـَان تـُحلقـَان

على ثـَرى وطن ٍبخيلْ..

>>>

من أينَ يأتِى الحُلمُ والأشْباحُ تـَرتعُ حَوْلنا

وتغـُوصُ فى دَمِنا

سِهَامُ البطـْش.. والقـَهْرُ الطـَّويلْ

مِنْ أينَ يأتى الصبْحُ

واللــَّيْـلُ الكئيبُ عَـلى نزَيف عُيُوننـَا

يَهْوَى التـَسَكـُّعَ.. والرَّحيلْ

من أينَ يَأتى الفجْرُ

والجلادُ فى غـُرف الصّغـَار

يُعلمُ الأطفالَ مَنْ سَيكونُ

مِنـْهم قاتلٌ ومَن ِالقتيلْ ..

لا تسْألينى الآنَ عن زَمن ٍجميلْ

أنا لا أحبُّ الحُزنَ

لكن كلُّ أحزانِى جراحٌ

أرهقتْ قلبى العَليلْ..

ما بيْنَ حُلم ٍخاننى.. ضاعتْ أغَانِى الحُبّ..

وانطفأتْ شموسُ العُمر.. وانتحَرَ الأصِيلْ..

لكنه قدَرى بأن أحيا عَلى الأطـْلالْ

أرسمُ فى سَوادِ الليل

قِنديلا.. وفجرًا شاحبًا

يتوكـَّآن على بقايَا العُمر

والجسدِ الهزيلْ

إنى أحبُّك

كلما تاهت خـُيوط ُالضَّوء عَنْ عَيْنى

أرى فيكِ الدَّليلْ

إنى أحبـُّك..

لا تكونِى ليلة ًعذراءَ

نامت فى ضُـلـُوعى..

ثم شرَّدَها الرَّحِيلْ..

أنى أحبـُّك...

لا تكـُونى مثلَ كلِّ النـَّاس

عهدًا زائفـًا

أو نجْمة ًضلتْ وتبحثُ عنْ سبيلْ

داويتُ أحْزان القلوبِ

غرسْتُ فى وجْهِ الصَّحارى

ألفَ بسْتان ٍظليلْ

والآن جئتك خائفـًا

نفسُ الوُجوه

تعُودُ مثلَ السّوس

تنخرُ فى عِظام النيلْ..

نفـْسُ الوُجوُه..

تـُطلُّ من خلف النـَّوافذِ

تنعقُ الغرْبانُ.. يَرتفعُ العَويلْ..

نفسُ الوجُوه

على الموائِد تأكلُ الجَسدَ النـَّحيلْ..

نـَفسُ الوجوهِ

تـُطلُّ فوق الشاشَةِ السَّوداءِ

تنشرُ سُمَّها..

ودِماؤنـَا فى نشْوة الأفـْراح

مِنْ فمهَا تسيلْ..

نفسُ الوجوهِ..

الآن تقتحِمُ العَيُونَ..

كأنها الكابُوس فى حلم ٍثقيلْ

نفسُ الوجوه..

تعُودُ كالجُرذان تـَجْرىَ خلفنـَا..

وأمَامنا الجلادُ.. والليلُ الطويلْ..

لا تسْألينى الآن عَنْ حُلم جَميلْ

>>>

أنا لا ألومُ الصُّبحَ

إن ولــَّى وودّعَ أرضنـَا

فالصبحُ لا يَرضى هَوَان َالعَيْش

فى وَطن ٍذليلْ

أنا لا ألومُ النارَ إن هَدأتْ

وصَارتْ نخوة عرجاء

فى جَسَد عليلْ..

أنا لا ألـُوًمُ النهرَ

إن جفتْ شواطئـُه

وأجدَبَ زرْعُه..

وتكسَّرتْ كالضَّوء فى عَيْنيهِ

أعناقُ النخيلْ..

مادَامَتِ الأشْباحُ تسْكرُ

منْ دمَاء النيلْ..

لا تسَألينى الآنَ..

عن زمن ٍ جميلْ

قصيدة "جاء السحاب بلا مطر" سنة 1996

[email protected]
لمزيد من مقالات يكتبها ــ فاروق جويدة

رابط دائم: