رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نصف قرن على العلاقات المصرية ــ الإماراتية

أتذكر جيدًا البدايات الأولى لقيام دولة اتحاد الإمارات العربية، فقد كان زميل دراستى الذى أعتز بصداقته حتى الآن هو الأستاذ أحمد خليفة السويدى الذى شغل منصب رئيس الديوان الأميرى للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان فور توليه الحكم فى أبو ظبى، ثم أصبح أول وزير خارجية لدولة اتحاد الإمارات العربية، وقد نجح الشيخ زايد بحكمته ورؤيته فى جمع شمل الإمارات المتصالحة - كما كانت تسمى – فى دولة واحدة عاصمتها أبو ظبى وتضم إمارات دبى والشارقة وعجمان وأم القوين ورأس الخيمة والفجيرة، وتطورت تلك الدولة بسرعة مشهودة ودخلت مرحلة الاندماج الحقيقى والوحدة السياسية والاقتصادية والثقافية وكأنما كانت أبو ظبى للسياسة، ودبى للتجارة والسياحة، والشارقة للفكر والثقافة، وقس على ذلك باقى الإمارات التى انضوت تحت لواء الدولة الجديدة، وشاركت دولة الإمارات العربية فى العمل العربى المشترك بفاعلية وجدية، كما وقف الشيخ زايد الذى لقبه الجميع بحكيم العرب إلى جانب كل أشقائه من الدول العربية كلما تعرضت إحداها لمحنة أو واجهت ظرفًا صعبًا فقد كان صديقًا عزيزًا لمصر وقف إلى جانبها فى كل الظروف وأمام كل التحديات، وكانت علاقته بالرئيسين السادات ومبارك قوية ومتواصلة مع سياق الأحداث التى تعرضت لها مصر من آثار النكسة والعدوان عام 1967 إلى حرب التحرير والعبور العظيم عام 1973، ولم يبخل الشيخ زايد ولا دولته على الجهد العسكرى العربى بالدعم المالى والمؤازرة السياسية والإقليمية فى كل الأوقات، وكنت ألتقى زميل دراستى الأستاذ أحمد خليفة السويدى فى زياراته إلى العاصمة البريطانية طوال السنوات التى عشتها هناك وأسمع منه الكثير عن إنجازات الدولة التى لم يتجاوز عمرها وقتذاك سنوات قليلة وكيف اختار لها الشيخ زايد سياسة متوازنة عروبية الاتجاه، قومية الانتماء خليجية الولاء، وعندما حدثت القطيعة الدبلوماسية بين الدول العربية ومصر على إثر مؤتمر بغداد الشهير كان موقف دولة الإمارات هادئًا، لقد انصاعت لقرار القمة ولكن بقى قلبها وعقل زعيمها الشيخ زايد مشدودًا إلى الكنانة فى ظروفها الصعبة وأمام التحديات العاتية التى كانت تواجهها، وتواصلت علاقات الشعبين دون انقطاع وأدرك الشيخ زايد أن ما جرى هو اجتهاد سياسى للرئيس المصرى الراحل أنور السادات الذى كان يسعى من الاتفاقية الإطارية لكامب ديفيد ومفاوضات السلام مع إسرائيل إلى تغيير البيئة السياسية فى إقليم الشرق الأوسط ودفع الأطراف إلى الوصول لتسوية عادلة يسترد فيها الفلسطينيون أرضهم ويستعيد المسلمون والمسيحيون مقدساتهم فى إطار حل الدولتين التى يحظى فيها الشعب الفلسطينى بعاصمة فى القدس الشرقية، وجدير بالذكر أن دولة الإمارات العربية وقفت إلى جانب مصر فى معركتى التحرير والإعمار واعترف المصريون دائمًا بدعم الإمارات المادى والمعنوى فى ظل أقسى الظروف حتى إن تمثال الشيخ زايد الماثل فى مدخل المدينة التى تحمل اسمه فى ضواحى القاهرة قد جرى تشييده والإنفاق عليه من أموال المجتمع المدنى وتبرعات الأفراد والهيئات اعترافًا بفضله وتخليدًا لمكانته، وعندما قامت الحرب العراقية الإيرانية ثم حرب الخليج الأولى لتحرير دولة الكويت كان موقف دولة الإمارات العربية متجاوبًا مع الرؤية العربية الشاملة والفهم المشترك لمعنى الأمن القومى، وكان للشيخ زايد اقتراحات بناءة سواء فى الحرب العربية الفارسية أو فى طريق الخروج من النفق المظلم الذى دخلت فيه المنطقة غداة احتلال قوات صدام حسين لدولة الجوار الكويت بمكانتها التاريخية وقيمتها الجغرافية ودورها السياسى فى رعاية القضية الفلسطينية، وأتذكر الآن العلاقة الممتدة بين طلاب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية من دفعات الستينيات من القرن الماضى وزميلهم صاحب العقلية المتفتحة والفكر الرصين أحمد خليفة السويدى الذى كان طالبًا فى مصر فى سنوات الحلم القومى والسعى نحو الوحدة العربية ومواجهة مؤامرات الاستعمارين القديم والجديد، وكان يسكن فى البناية رقم 7 بشارع الدقى مع مجموعة من أبناء دولته تبوأ معظمهم بعد ذلك مواقع قيادية فى إدارة الدولة الجديدة، وقد لجأ إماراتيون رسميون إلى السنهورى باشا فى عامه الأخير يطلبون منه أن يبارك دستورهم الجديد بكتابته، أسوة بدول عربية أخرى ولكن الرجل اعتذر ونصحهم باللجوء إلى عدد من تلاميذه فى أنحاء العالم العربى يرى فيهم القدرة على كتابة دستور تلك الدولة التى جاء ميلادها تعزيزًا للعروبة فى ظل ظروف كانت حالكة السواد حافلة بالاضطرابات والتغييرات والتحولات، ولقد نجحت سياسة الشيخ زايد فى فرض وجودها على الساحة العربية، فقد كان من أكثر الساعين لعودة مصر إلى مكانتها العربية ومن أكثر المحاولين لتغيير سياسة العراق فى ظل حكم صدام حتى يظل ذلك البلد العربى الكبير حارسًا للبوابة الشرقية لأمته العربية، وقدم فى ذلك مقترحات لم تنل الاهتمام الكافى بسبب سياسة الرئيس العراقى الذى كان يتسم بالعناد ولا يعرف معنى المرونة السياسية.

لن أختم مقالى دون أن أقول إننى أعتز كثيرًا – مثل كل زملائى – بوجود الأشقاء من جيلنا الذين تعلموا فى القاهرة وفى مقدمتهم الوزير المحترم والمثقف العربى أحمد خليفة السويدى فى وقت كان فيه الشيخ سلطان القاسمى حاكم إمارة الشارقة وعضو المجلس الأعلى لاتحاد الإمارات ينشر الضياء ثقافة وفكرًا ودعمًا لمصر وغيرها من الدول العربية، إيمانًا بالرسالة التى حملها أولئك الشباب الذين درسوا فى مصر، وارتبطوا بها، وأحبوا شعبها وما زالوا يتواصلون معها بالإعزاز والمودة حتى اليوم!


لمزيد من مقالات د. مصطفى الفقى

رابط دائم: