رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حالة حوار

تعيش مصر فى هذه الأيام حالة حوار حول كل قضايا الوطن من مُشكلات وعثرات للوصول إلى بدائل وحلول وآفاق مستقبلية. فمنذ دعوة الرئيس السيسى للحوار الوطني، بدأ نقاش واسع شاركت فيه خلايا المجتمع الحية من أحزاب، وجامعات، ونقابات، وهيئات مجتمع مدني، إضافة إلى البرامج الحوارية على شاشات التليفزيون وفى وسائل الاتصال الاجتماعي، وشملت هذه الحوارات طيفا واسعا من أصحاب الاتجاهات الفكرية والتيارات السياسية المُختلفة.

وحالة الحوار هذه فى حد ذاتها أمر صحى ومرحب به، فالحوار هو فضيلة لأنه الطريق السلمى لتغيير الواقع وتطويره، وهو ضمان لمشاركة كل أبناء الوطن وبناء الثقة وتقاليد العمل المشترك بينهم. وينبع هذا الترحيب من إدراك مفهوم الحوار، فإذا أخذنا التعريف اللغوى للحوار، فإن معجم المعانى الجامع يشير إلى أن الحوار هو نقاش أو جدال، وهو حديث يجرى بين شخصين أو أكثر، وفى معجم اللغة العربية المعاصرة، يرد أن المصدر حاور، وهو صيغة الأمر من الفعل حَاَوِر، فيقال حَاوَرَ فلان فلانا بمعنى حادثه وناقشه. ويضيف قاموس الرائد أن الحوار هو عنصر أساسى فى القصص والتمثيليات، ويمكن أن نضيف إلى ذلك الأعمال المسرحية التى تقوم أساسًا على الحوار.

وردت كلمة حوار ثلاث مرات فى القرآن الكريم، اثنتان فى سورة الكهف فى سياق الحديث بين الرجل الغنى صاحب الجنتين، وصاحبه الفقير الذى لا يملك مالا، وهما «فقال لصاحبه وهو يحاوره» (الآية 34) «قال له صاحبه وهو يحاوره» (الآية 37). ومرة ثالثة فى الآية الأولى من سورة المجادلة، وهى «والله يسمع تحاوركما»، كما وردت كلمة الجدل والتى تحمل معنى قريبا من الحوار تسعًا وعشرين مرة. وتضمنت الآيات تعبيرات أخرى تحض على الدعوة بالحكمة، والقول الحسن، والتواصل مع الآخرين. وحسب علمي، فإنه لم يرد فى الأناجيل تعبير الحوار، ولكنها تزخر بالجمل والعبارات التى تدعو إلى استخدام الكلمة الطيبة حتى مع الخصوم والأعداء، وأن عيسى عليه السلام استخدم أسلوب الحوار لنشر دعوته.

وإذا انتقلنا إلى مفهوم الحوار فى تاريخ الفكر السياسي، فسوف نجد أنه يشغل مكانة متميزة كأسلوب فى الوصول إلى الحقيقة فى الفلسفة الإغريقية القديمة. وعلى سبيل المثال، فإن سقراط كان يمشى فى الطرقات والأسواق مع طلبته يتحدثون ويتحاورون، فكانوا يتبادلون الأسئلة والإجابات بهدف الفهم الأعمق للموضوعات محل الحوار، وكان الحوار ومقارعة الحجة بالحجة هى طريقة استبعاد الأفكار الخاطئة وتطوير تلك الصحيحة. واعتمد أسلوب سقراط على فكرة إن الحوار يؤدى إلى توليد الأفكار.

ومن بعده، تلميذه أفلاطون مؤسس أكاديمية أثينا، الذى استخدم أسلوب المحاورات فى مؤلفاته، ومنها مجموعة المحاورات التى ألفها دفاعا عن سقراط، وكتابا الجمهورية والقوانين اللذين طرح فيهما تصوره عن نظام الحكم الأمثل فى قالب حوارى بين عدد من الأشخاص يتجادلون حول مفهوم العدالة وفن التشريع. ثم تلميذه أرسطو معلم الإسكندر الأكبر الذى استخدم نفس القالب الحوارى للتعبير عن أفكاره فى بعض كتاباته.

ومع أن المفكرين المسلمين لم يتبعوا هذا القالب، فتبنوا الجدل والحوار بين الآراء المُختلفة مثل علماء الكلام ومن مدارسهم المُعتزلة والأشاعرة الذين ركزوا على النظر العقلى فى أمور الدين. وفى اتجاه الحوار، سار عدد من الفلاسفة والعُلماء كالفارابى وإخوان الصفا وابن سينا وابن طُفيل وابن رُشد وصولا إلى محمد عبده.

واستمرت أصداء مفهوم الحوار حاضرة فى تطور الفكر الغربى الحديث، فكان من ملامحها الدفاع عن حرية التعبير، وتعدد الآراء واعتبار أن تعدد الأحزاب والتنافس فيما بينها هو أساس الديمقراطية الحديثة، وهى الآراء التى كانت محل توافق بين فلاسفة التنوير والليبرالية السياسية. وفى القرن العشرين، أسس المفكر النمساوى مارتن بوبر فلسفته على أساس الحوار، وذلك فى كتابه «انا وانت» الذى صدر عام 1923. ومع ازدهار دراسة اللسانيات فى العلوم الاجتماعية تحت تأثير أفكار فوكو، ودعاة منهج تحليل الخطاب، ازداد الاهتمام بمفهوم الحوار باعتباره فعلا تواصليا.

وفى الفكر المصرى المعاصر، نجد توفيق الحكيم الذى كتب عن الأسباب الفِكرية لاختياره التأليف المسرحى قالبًا للتعبير عن أفكاره فى السياسة والاجتماع والفن، فذكر أن المسرح هو الشكل الأدبى الذى يتميز بالحوار، والحوار لديه يتسم بالتركيز الشديد على الأفكار للوصول إلى النظرة العامة أو الكلية. وكتب الحكيم مقالا فى الأربعينيات بعُنوان الحوار عبر فيه عن هذه المعانى السابقة والتى نجد فيها صدى لأفكار المفكر الروسى ميخائيل باختين ومفهومه عن الحوارية dialogism، التى اعتبرها الأسلوب الأفضل لتبادل الأفكار ومقارنتها ببعضها البعض.

لكل ما تقدم، فإن الإنسان يرحب بحالة الحوار الراهنة وأتذكر صديقى د. عمرو عبدالسميع الذى ولد فى 4 نوفمبر 1955، ورحل عن عالمنا عام 2020. فقد جمع هذا الرجل بين الصحافة وكتابة القصة والبحث العلمي، وله كتابات فى الأدب الساخر، وكان ماهرًا فى إدارة الحوارات الصحفية وله عدة كتب تتضمن نصوص محاوراته مع قادة الفكر والأدب والسياسة فى مصر والوطن العربى. وكان عموده اليومى فى جريدة الأهرام يحمل اسم حالة حوار، وقدم على شاشة القناة الأولى بالتليفزيون المصرى لعدة سنوات برنامجا بنفس الاسم. وأتذكر أيضًا أنه كان يستضيف مجموعة من الشباب من ذوى الانتماءات الحزبية والسياسية المختلفة للنقاش مع عدد من رجال السياسة والفكر من ذوى الآراء المختلفة، وكم من مرة شاركت فيه مع صديقى رفعت السعيد رئيس حزب التجمع الأسبق، وكانت لنا صولات وجولات استمتعت بها وتعلمت منها.

ومرحبًا بحالة حوار مصرية مُستمرة.


لمزيد من مقالات د. على الدين هلال

رابط دائم: