رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تكوين الأخلاق.. جدلية الذات والسياق

ثمة سؤال مهم تطرق إلى أذهان كثير من قراء المقال السابق حول الذات الأخلاقية، وهو سؤال يستدعى السياق بطرق عديدة، ولسان حاله يقول: هل الذات الأخلاقية تتشكل عبر قوتها الأخلاقية الذاتية أم عبر السياق؟ والسؤال مصوغ من الناحيتين المنطقية والعملية، ولكنه يثير جدلاً واسعاً حول العلاقة بين الذات والسياق. وتجدر الإشارة بادئ ذى بدء إلى أن الحديث السابق عن الذات الأخلاقية كان حديثاً يتضح بالمثالية، فالذات الأخلاقية صاحبة الفيض الكبير النابع من معرفة الفضل، ومعرفة الحق والواجب، والعطاء وما يحيط به من معروف، ومعرفة الآخر ومنحه كل ثقة واطمئنان، هذه الذات هى ذات مثالية، قل أن نصادفها إلا فى النزر اليسير، ويبقى الأمر دائماً فى أيدى السياق هو الذى تتحاور معه الذات فى أبعادها الأخلاقية المختلفة. ولا تتشكل علاقة الذات بالسياق على نحو آلى بل إن هذه العلاقة تكشف عن تعقيدات نحاول أن نجادل حولها فى هذا المقال أول هذه التعقيدات ما يرتبط بطبيعة التأثير المتبادل، فمن الذى يشكل الآخر. من الطبيعى أن يكون السياق هو المشكل للذات، لأنه هو المنتج لأدوات تأطيرها عبر وسائط متعددة من التنشئة الاجتماعية. ولكن الذات قادرة على الفعل والتأثير إذا ما ملكت مُكنة المعرفة ومُكنة الوعي. ولكن يبدو أن الأمر أكثر تعقيداً من وجود هذه العلاقة التبادلية بين الذات والسياق. فقد تكون السياقات متعددة، وقد تكون الذوات متعددة أيضاً. فنحن لسنا بصدد سياق واحدة أو ذات واحدة. فالسياقات تتعدد وفقاً لعدد من الشروط المهمة، أولها الشرط التاريخى، الذى يرتبط بالتكوين التاريخى للسياق وطبيعة المؤثرات الداخلية والخارجية التى شكلته. يأخذنا البُعد التاريخى إلى أن نتشوف القيم الأخلاقية المختلفة التى تركتها كل حقبة تاريخية، ومدى استمراريتها، وتلاحمها مع ما قبلها وما بعدها. كما يأخذنا البُعد التاريخى أيضاً إلى أن نتشوف الكوابح التاريخية التى تعاكست مع الزمن الأخلاقى، ومدى قدرتها على أن تصنع اركيولوجيا مضادة للمثل الأخلاقية. ونستطيع أن نميز بين الظرفين (ظرف التراكم الأخلاقى) الذى تتوالد فيه الأخلاق من فيض الاستقرار والاطمئنان والسلام، وظرف القلق الأخلاقى الذى يتشكل من تدفقات الحروب والقتل والأسى، وأن نعرف أيهما أو أى تنويعة عليهما كانت الأرجح فى عمليات التكوين التاريخى للسياق. أما الشرط الثانى فى التكوين السياقى فيرتبط بطبيعة العلاقة بين الماضى والحاضر. يطفو هنا السؤال، كيف ولج السياق إلى عالم الحداثة، وهل هيأت ظروف أخلاقية وفكرية لهذا الولوج، أم أنه دخل وفقاً لشروط الصدفة التاريخية. وسؤال آخر أكثر أهمية، هل استطاع السياق أن يحدث قطيعة مع أنساقه الأخلاقية القديمة، أم أنه حافظ عليها؟ وكيف تعانق الماضى مع الحاضر، وما المنتج النهائي: تكيف وتآلف أم صراع وشجار، أم شواش وفوضى؟ لاشك أن كل ظرف من هذه الظروف سوف ينتج أخلاقياته الخاصة، وسوف يكشف كل واحد منها عن مدى اتساق المنظومة الأخلاقية أم تناقضها. وهنا مرة أخرى نكون بصدد سياقات متعددة ينتج كل منها عن الطريقة التى يعافر بها السياق مشروع الحداثة وقد تغرينا المجادلة حول الموضوع بالبحث فى الطريقة التى يتعامل بها السياق مع المؤثرات القادمة إليه من الداخل والخارج. ويثور هنا سؤال مهم: هل للسياق قدرة تكيفية تجعله قادراً على أن يحافظ على سمته وأطره الأخلاقية العامة، أم أنه مفتوح على حالة من السيولة التى تدخل إليه كل يوم تدفقات غير محسوبة، أم أنه يعانى لزوجة داخلية تجعله يخلط كل شىء مع كل شىء، فتضيع الملامح؟ نستطيع فى ضوء هذه الأسئلة أن نمايز بين سياقات مختلفة، وأن نتشوف قدرة كل سياق على تحقيق مستويات من الضبط الأخلاقي. وإذ تتشكل الذوات فى كل هذه التنويعات من السياقات، فإننا نتوقع وحود أنماط متعددة من الذوات. ونجادل فى هذا الموضوع حول ثلاث فرضيات أساسية، الأولى: تتعلق بالطريقة التى تتشكل بها الذوات: هل تحصل الذوات على خلفية معرفية تمكنها من أن تتفاعل مع كل تلافيف السياق وأبعاده التاريخية، أم أنها تترك لتلقائية الفطرة والتكوين البسيط، أم يلقى بها فى آتون التناقضات والتدفقات لتتشكل على هوى أو أهواء؟ يمكن لهذه الظروف أن تنتج تنوعا ذواتيا يحمل توجهات أخلاقية مختلفة، لها قدرات مختلفة على أن تؤسس لأخلاق عمومية تعاقدية، او ان تعد اسس التعاقد. ولكن الذات قد تنتج أخلاقها الخاصة، وقد تؤثر فى التشكيل التاريخى للقيم الأخلاقية. نستدعى هنا قدرتين للذات يدل التاريخ على فاعليتهما فى بناء توجهات تاريخية عمومية. القدرة الأولى هى القدرة على الابتكار والابداع، فالذوات المبدعة والمبتكرة يمكن أن توجه التاريخ، وتضع فيه مسارات جديدة. ولنا فى الابتكارات الفكرية أمثلة عديدة أقلها أنا أفكر إذن أنا موجود. وقد نعمم القول هنا بأن نقول إن الذات الشعبية الجمعية نفسها يمكن أن تؤطر لابتكارات ثقافية عندما تعض بالنواجذ على تقاليد أخلاقية بعينها أقلها نراه فى الاخلاقيات الزاخرة التى تشى بها الحكم الشعبية.

أما القدرة الثانية فهى القدرة الكارزمية التى يملكها الأنبياء أو من يليهم من الأفراد ذوى التأثير الإنسانى فى التاريخ. فالقدرة الكارزمية تلعب دوراً قوياً فى إحداث اختراقات تاريخية هائلة تنتج تحولات بالجملة فى البناء الأخلاقى للمجتمع. وغالباً ما تكتب هذه الاختراقات ديمومة عبر الزمن، وإن كان اندياحها فى التاريخ يحيلها إلى تأويلات ذاتية قد تبعدها أحياناً عن مساراتها الأخلاقية، تكشف عنها تعددية التفسير والتأويل. ومن الواضح أن جدل الذات والسياق ينضح بالكثير من الاشكاليات التى تحتاج إلى درس أعمق، ولكن يبقى دائماً الطموح إلى الوصول إلى الذات الأخلاقية المثالية التى تحلق فوق كل هذه التفاصيل بفيضها الأخلاقى، ومعرفتها للحق، واسدائها للمعروف، ورفع قبعتها بشكل دائم للآخر شريك الحياة والعمران.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: